السلام عليكم، وطاب مساؤكم.
إنه لشرف كبيرٌ لي أن أكون بينكم اليوم، ويسعدني للغاية تلقي الدعوة لحضور هذه المناسبة الفريدة من نوعها.
بدايةً، أود أن أتوجه بالتحية والشكر إلى البلدية التي يسّرت إقامة هذا الحدث، كما أشكر أصدقاؤنا الأعزاء في وزارة الخارجية، وبالطبع الشركة الليبية للحديد والصلب؛ فالمبنى الذي نستضيف فيه هذا اللقاء مثير للإعجاب حقاً. كما أحيي جميع الشباب المندوبين الحاضرين؛ فقد قدمتم لي اليوم دليلاً واضحًا على وجود كفاءات متميزة بينكم –يمثلون أجيال المستقبل واليوم.
أهنئكم جميعاً، وأتمنى لكم كل التوفيق والنجاح.
عندما دخلت إلى هذا المبنى، وتحديداً إلى هذه القاعة، انتابني شعور وكأنني في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة –سأتوجه الأسبوع المقبل إلى مقر الجمعية العامة لحضور سلسلة من الاجتماعات، بما في ذلك لقاءات مع الأمين العام ونائبة الأمين العام، وغالباً ما نجتمع داخل قاعة الجمعية العامة– إن دخول تلك القاعة يمنح المرء شعوراً خاصاً للغاية؛ فعندما تعتلي المنصة هناك، تشعر وكأنك في قلب أحداث العالم وتطوراته. آمل أن يكون الكثير منكم قد استشعر عظمة هذا الموقف؛ حيث يجتمع الأصدقاء -وربما حتى من هم ليسوا أصدقاء، فليس الجميع هنا أصدقاء- للعمل معاً من أجل إيجاد حلول تجعل عالمنا مكاناً أفضل قليلاً مما هو عليه الآن.
وهو شعور فريد للغاية؛ إنه شعور استثنائي بالمساهمة، وهو أمر حظيتُ بفرصة اختباره -بل وأكثر من ذلك- على مدار ما يقرب من 35 عاماً قضيتها في العمل مع الأمم المتحدة. وقد شهدتُ تجلياتٍ هذه السمات الإنسانية في معظم مناطق العالم.
وأعتقد أن الأمم المتحدة هي المنصة الأهم، التي تبرز فيها هذه القيم الإنسانية، من التضامن والحوار. لقد أمضيتم الأيام الثلاثة الماضية في النقاش والمداولات؛ ربما شعرتم ببعض الإحباط -وقد سمعتُ بعضاً منكم يتحدثون خلال استراحة القهوة- لأنكم كنتم تطمحون إلى تمرير قرارات عبر مجلس الأمن، أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي، أو الجمعية العامة، لكنكم لم تتمكنوا من ذلك، واضطررتم في نهاية المطاف إلى تقديم تنازلات.
وفي الواقع، يُعد هذا جوهر العمل متعدد الأطراف. فالعمل متعدد الأطراف ليس مجرد لقاءٍ وديٍّ بين الأصدقاء؛ بل يعني العمل مع دولٍ قد لا تتشارك دائماً في المعتقدات السياسية ذاتها، ولا تتبع الدين نفسه -بل إن ما يجمعها قد يكون ضئيلاً للغاية، باستثناء حقيقة أننا نتشارك هذا العالم- ومع ذلك، نلتقي جميعاً تحت مظلة الأمم المتحدة.
لا توجد منظمة أخرى تجمع الدول الصغيرة والكبيرة معاً، حيث يتساوى صوت كل دولة في الجمعية العامة؛ وهذا ما يجعل من هذا المكان فريداً من نوعه.
لقد تعلمتم كيف تقدمون تنازلات، وكيف تدافعون عن قضاياكم بأسلوبٍ يتسم بالاحترام. هذه السمات والخبرات لا تخدم الأمم المتحدة والعالم فحسب، بل تخدمكم أنتم أيضاً، وتخدم مجتمعاتكم وعائلاتكم، وكذلك ليبيا. وليبيا في أمسّ الحاجة إلى مثل هذه المهارات: الوساطة، وتقديم التنازلات، والتفاوض، والسعي لإيجاد الوحدة في ظل الانقسام الراهن. لذا، أتطلع حقاً إلى رؤيتكم خلال الفترة التي سأقضيها في العمل هنا في ليبيا، وإلى متابعة مساهماتكم في تحقيق هذه الأهداف على أرض الواقع. واسمحوا لي أن أقول بضع كلمات حول طبيعة العلاقة بين الأمم المتحدة وليبيا. في الواقع، إنها علاقة طويلة الأمد؛ ففي عام 1949، صدر قرار عن الجمعية العامة للأمم المتحدة يقضي بنشأة ليبيا، دولةً مستقلة. وبناءً على ذلك القرار، وبفضل الجهود الدؤوبة التي بذلها العديد من الليبيين، نالت ليبيا استقلالها في عام 1951. لذا، فقد بدأت هذه المسيرة من خلال الأمم المتحدة -مع الأخذ في الاعتبار بالطبع أن لليبيا تاريخاً أعمق وأقدم من ذلك بكثير- إلا أن علاقتنا تعود جذورها إلى عام 1949.
إنه تاريخ طويل بالفعل. وقد حظيتُ بفرصة العمل هنا في ليبيا على مدار العام الماضي، حيث لمستُ جوانب إيجابية عديدة للتعاون القائم بيننا؛ إذ تتواجد هنا البعثة السياسية، إلى جانب العديد من وكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها. لقد شهدتُ تعاوناً غنياً وودياً، تخللته أحياناً نقاشات صعبة، لكنها كانت تنتهي دائماً بالتوصل إلى تسويات واتفاقات تؤكد أننا، بالعمل معاً، نستطيع تحقيق نتائج أفضل وتقديم فائدة أكبر لليبيا.
علاوة على ذلك، لا تقتصر مكانة ليبيا على كونها مجرد عضو في الأمم المتحدة أو دولة تستضيف هيئات الأمم المتحدة على أراضيها، بل إنها مشاركٌ فاعلٌ ومؤثر. فعلى سبيل المثال، قد يهمكم أن تعلموا أن ليبيا تشغل عضوية في مجلس إدارة منظمة العمل الدولية خلال العام الماضي وهذا العام؛ مما يعني توفر منصات تتيح لكم ممارسة تأثيركم في اتخاذ قرارات ذات أهمية عالمية.
كما تقدمت ليبيا مؤخراً بطلب للحصول على عضوية مجلس الأمن للفترة من 2028 إلى 2029، تحت شعار "تعزيز العدالة من أجل الأمن والسلام". وقد تم تقديم هذا الطلب رسمياً في شهر سبتمبر من هذا العام، وذلك خلال المنتدى رفيع المستوى للجمعية العامة في نيويورك.
إن ما ناقشتموه اليوم لا يهم العالم فحسب -كما ذكرتُ- بل يهم ليبيا أيضاً. وهنا تبرز قيمة الأمم المتحدة في تقديم الصورة الشاملة لكل دولة؛ فهي بمثابة حلقة وصل، وهذا هو جوهر جمالها. في الواقع، وُجدت الأمم المتحدة من أجل الناس وبواسطة الناس. ولعلكم استمعتم في البداية إلى زميلي طارق وهو يقتبس الجمل الأولى من ميثاق الأمم المتحدة؛ ذلك الميثاق الذي نحتفي بذكراه في الرابع والعشرين من أكتوبر من كل عام -وهو التاريخ الذي يوافق قبل يومين من الآن- حيث تم فيه اعتماد الميثاق. يبدأ الميثاق بعبارة قوية للغاية: "نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب -التي جلبت على الإنسانية مرتين في حياتنا أحزاناً لا توصف- وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان، وبكرامة الفرد وقدره". بالنسبة لي، تتردد أصداء هذه الكلمات اليوم بنفس القوة التي كانت عليها حين بدأتُ عملي في تسعينيات القرن الماضي؛ بل إنها تظل ذات أهمية بالغة، تماماً كما كانت في عامي 1944 و1945 حين صُدِّق على الميثاق، في وقت كان العالم قد خرج للتو من حرب عالمية ثانية مدمرة. ومع الأسف، لم يخلُ العالم من الحروب، لكن لدينا على الأقل منبرٌ تجتمع فيه الدول -حتى تلك التي تخوض حروباً ضد بعضها البعض- للجلوس معاً والحوار. وفي قاعة الجمعية العامة، ورغم كثرة البيانات الرسمية، إلا أن العمل الحقيقي -كما ذكرتُ لبعضكم خلال الاستراحة- يحدث في فترات الاستراحة هذه.
ففي الأوقات الفاصلة بين الجلسات، يقف ممثلو الدول معاً، ويقضون ساعات طويلة في النقاش والتوصل إلى اتفاقات؛ فقد لا نتفق على كل شيء، لكن يمكننا الاتفاق على نقاط محددة -لنقل نقطتان أو ثلاث نقاط مثلاً- تكتسي أهمية بالغة. فيما يتعلق بتعزيز السلام والعدالة والأمن، لا تكلل الجهود بالنجاح دائماً، لكن غالباً ما تتحقق إنجازات صغيرة؛ ولولا هذه النجاحات المحدودة، لكان العالم مكاناً أسوأ بكثير للعيش فيه.
ويمكنني قول هذا بكل ثقة: تمر الأمم المتحدة بمرحلة ليست بالهينة، ونحن مقبلون على تحول كبير؛ إذ لدينا أمين عام جديد -لا نعرف هويته بعد-، فغالباً ما يظل الأمر غامضاً حتى اللحظة الأخيرة، وقد يحمل أحياناً مفاجآت. ومع ذلك، نحن على ثقة بأن قادة العالم سيختارون الشخص الأنسب لهذا المنصب، وهو أمر نتابعه، بطبيعة الحال، باهتمام بالغ.
ختاماً، أود أن أشكركم، ولن أطيل عليكم أكثر من ذلك. لكنني أود أن أعبر مجدداً عن مدى إعجابي بمداخلاتكم.
لقد شعرت -كما ذكرتُ سابقاً- وكأنني عدتُ إلى قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أستمع إلى مداخلاتٍ بالغة الأهمية؛ مداخلاتٍ لم تُصغِ جزافاً، ولم تكن مجرد نصوصٍ أُعدت في العواصم، بل كانت نتاجاً لعملياتٍ مكثفة من التفاوض والنقاش، وتشكيلٍ للتحالفات والائتلافات المتنوعة، بهدف الخروج بنتائج مثمرة من كل جلسة. وهذا بحد ذاته جزءٌ من جمالية العمل؛ لذا أتوجه بالشكر إلى "مؤسسة الحوار والمناظرة" على جهودهم الرائعة. لقد تعاونا معكم في بعض المدن الليبية، ونطمح إلى مواصلة هذا العمل وتعزيزه. كما أتوجه بخالص الشكر لكم جميعاً -وأناديكم الآن بلقب "المندوبين"-؛ فأنا على يقين بأنكم تعرّفتم بشكلٍ أعمق على الدول التي دافعتم عنها وتحدثتم باسمها، وأن هذه التجربة كانت فرصةً تعليميةً قيّمة لكم جميعاً. آمل -بل أنا على قناعة تامة- أنه في مرحلةٍ ما من المستقبل، حين أتقاعد -إن كان التقاعد ممكناً أصلاً من الأمم المتحدة!-، ربما أرى بعضاً منكم يعتلون منصة الجمعية العامة، أو من يدري، ربما في مجلس الأمن أيضاً.
أتطلع لرؤية ذلك يتحقق. ولعل من المناسب التذكير بأن ميثاق الأمم المتحدة يبدأ بعبارة "نحن الشعوب"، وهي عبارة تشملكم جميعاً، وتشمل كلاً منا؛ لذا أجدد شكري لكم وأتمنى لكم كل التوفيق. وإذا زرتم طرابلس، فلا تترددوا في التواصل معنا وزيارتنا.
شكراً جزيلاً لكم.



