السيد الرئيس،
يسرني أن أطلع المجلس على آخر التطورات في ليبيا.
قبل يومين، احتفلت ليبيا بالذكرى الرابعة عشرة لثورة 17 فبراير. غير إن الحلم بليبيا مدنية وديمقراطية تنعم بالرخاء ما يزال حلماً بعيد المنال .فالانقسامات المتأصلة وسوء إدارة اقتصاد البلاد واستمرار انتهاكات حقوق الإنسان والمصالح المحلية والخارجية المتنافسة، كلها عوامل مستمرة في تقويض وحدة ليبيا واستقرارها.
هناك حاجة ملحة لإحراز تقدم في ليبيا. وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، المكلفة من هذا المجلس، تتخذ خطوات لإحياء عملية سياسية ليبية، ترتكز على مبادئ الشمولية والملكية الوطنية. اسمحوا لي أن أطلعكم على الجهود الرئيسية الجارية.
في 4 فبراير، أنشأت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لجنة استشارية مكلفة بتقديم توصيات لمعالجة القضايا الخلافية في التشريعات الانتخابية التي حالت دون إجراء انتخابات وطنية. وهي ليست هيئة لاتخاذ القرارات، لكن مقترحاتها ستدعم الجهود الرامية إلى إزالة العقبات التي تحول دون إجراء انتخابات وطنية في ليبيا. وتتألف اللجنة من 20 شخصية ليبية، بينهم خبراء قانونيون ودستوريون، 35% منهم من النساء.وفي 9 و10 شباط/ فبراير، عقدت البعثة الاجتماع الافتتاحي للجنة الاستشارية في طرابلس. وقد رحب العديد من الأطراف الليبية، بما في ذلك الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية والفئات النسوية والشبابية، بإنشاء اللجنة كفرصة للدفع بالعملية السياسية إلى الأمام. والتأمت اللجنة مرة أخرى يوم أمس في اجتماع يستمر ثلاثة أيام لدراسة القضايا الخلافية بالتفصيل والبدء في النظر في خيارات حول كيفية التغلب عليها.
وبالتوازي مع ذلك، تتخذ البعثة أيضاً خطوات لعقد حوار منظم بين الليبيين حول سبل معالجة الدوافع طويلة الأمد للنزاع ووضع رؤية شاملة من القاعدة إلى القمة لمستقبل بلادهم. وإقراراً بأهمية وجود اقتصاد قوي ومنصف ومرن لتحقيق الاستقرار في ليبيا، تعمل البعثة على تيسير مشاورات بين خبراء اقتصاديين ليبيين مستقلين لتحديد الأولويات والحواجز والحلول لتحقيق حوكمة اقتصادية سليمة. وفي هذا الصدد، تم تنظيم اجتماع في تونس يومي 10 و11 فبراير.
السيد الرئيس،
ما تزال الانقسامات والتنافس على السيطرة على مؤسسات الدولة تهيمن على المشهد السياسي والاقتصادي الليبي. فعلى الرغم من انخراط البعثة مع جميع أصحاب الشأن المعنيين، لم يتم إحراز أي تقدم بشأن ميزانية موحدة أو إطار إنفاق متفق عليه.
ومن الأهمية بمكان معالجة هذه المسألة لدعم جهود مصرف ليبيا المركزي لتحقيق الاستقرار في الوضع المالي للبلاد وتمكين الإنفاق العام الشفاف والعادل. وفي الآونة الأخيرة، تصاعد الخلاف حول تعيين قيادة ديوان المحاسبة الليبي، مما يهدد نزاهة هذه المؤسسة. وهنا تحث الأمم المتحدة جميع الأطراف على احترام استقلالية ديوان المحاسبة وإبقاء الهيئات الرقابية في ليبيا بمنأى عن التدخل والتسييس.
السيد الرئيس،
بعد ستة أشهر من التقاضي والأحكام القضائية المتضاربة، ما يزال النزاع حول منصب رئيس المجلس الأعلى للدولة دون حل.
فعلى الرغم من أن بعض أعضائه يحاولون تجاوز الانقسامات الحالية، فإن المجلس الأعلى للدولة شديد الانقسام وغير قادر على الوفاء بدوره المؤسسي. كما أن التسييس والانقسامات السياسية تعيق إحراز تقدم في المصالحة الوطنية. وعلى الرغم من اتفاق تم تيسيره من قبل البعثة في ديسمبر الماضي بين المجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على مشروع قانون للمصالحة الوطنية، فإن التعديلات اللاحقة التي أدخلها أعضاء البرلمان على مشروع القانون أثارت مخاوف بشأن استقلالية مفوضية المصالحة الوطنية المستقبلية.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، ومن خلال عملية قادها الاتحاد الأفريقي، تم الاتفاق على ميثاق للمصالحة في الزنتان وتم اعتماده في 14 فبراير في أديس أبابا، وذلك على هامش قمة الاتحاد الأفريقي. وفي حين حظي هذا الميثاق بتأييد بعض الأطراف الليبية، إلا إن البعض الآخر لم يؤيده. وتواصل البعثة الانخراط مع جميع الأطراف المعنية لحثها على السعي إلى عملية مصالحة وطنية قائمة على الحقوق وشاملة للجميع وبعيدة عن التدخلات السياسية.
السيد الرئيس،
عقب نجاح الانتخابات المحلية في 56 بلدية في نوفمبر 2024، بدأت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات الاستعدادات للمجموعة التالية من انتخابات المجالس البلدية في 63 بلدية. وقد انتهت مرحلة الترشيح الأولي للمرشحين، حيث ترشح أكثر من 4900 مرشح، بينهم 1345 امرأة. وسيتبع ذلك تسجيل الناخبين. ويعد التمويل من الحكومة أمراً حاسماً لتمكين المفوضية الوطنية العليا للانتخابات من تنفيذ هذه المرحلة التالية من انتخابات المجالس البلدية.
وعلى الصعيد الأمني، ما تزال أنشطة الأطراف الفاعلة المسلحة غير الحكومية وشبه الحكومية تشكل تهديداً للاستقرار الهش في ليبيا. ففي 12 فبراير، أُصيب وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، السيد عادل جمعة، في هجوم مسلح على سيارته في طرابلس. وهنا ندعو إلى إجراء تحقيق كامل وشفاف لضمان تقديم الجناة إلى العدالة. وفي الجنوب، سيطر الجيش الوطني الليبي على قاعدة عسكرية في أوباري كانت في السابق تحت سيطرة ضابط عسكري تابع لحكومة الوحدة الوطنية. ولم يتم تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2020 إلا جزئياً.
وهناك أهمية بالغة للجهود المتجددة من قبل السلطات الليبية لتنفيذ أحكامه المتبقية لتحسين الوضع الأمني الهش وتهيئة الظروف لإعادة توحيد وإصلاح المؤسسات الأمنية. وفي تطور إيجابي، سهلت البعثة في شهر ديسمبر الماضي إنشاء فريق فني مشترك من كبار الضباط العسكريين وضباط الشرطة من حكومة الوحدة الوطنية والجيش الوطني الليبي. والهدف من هذا هو تحسين التنسيق وتبادل المعلومات بشأن أمن الحدود ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية.
السيد الرئيس،
إن استمرار المنحى المتمثل في الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري في جميع أنحاء ليبيا أمر مقلق للغاية. وهنا نناشد السلطات الليبية اتخاذ خطوات عاجلة لوقف هذه الممارسات واحترام حقوق المحتجزين في الإجراءات القانونية الواجبة، بما في ذلك الحق في محاكمة عادلة وفي الحصول على المشورة القانونية. وتواصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا العمل مع السلطات لتعزيز الضمانات القانونية والمساءلة والحيز المدني.إن العدد المتزايد للوفيات أثناء الحبس أمر مقلق، حيث تم تسجيل 15 حالة منذ شهر مارس 2024.
وفي حين مُنحت البعثة مؤخراً إمكانية الوصول إلى مرافق الاحتجاز في معيتيقة وبنغازي والبيضاء في بادرة إيجابية من السلطات المعنية، إلا أن هناك حاجة إلى توسيع نطاق إمكانية الوصول بدرجة أكبر وإلى إصلاحات منهجية لمساعدة منظومة العدالة والإصلاحيات الليبية على التوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
السيد الرئيس،
ما يزال المهاجرون وطالبو اللجوء، بمن فيهم الأطفال، يواجهون انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في جميع أنحاء ليبيا، بما في ذلك التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية. إن الاكتشاف المروع والمأساوي للمقابر الجماعية في أعقاب مداهمات لمواقع الاتجار بالبشر يسلط الضوء على الخطر الشديد الذي يواجهه المهاجرون في ليبيا. ففي 7 فبراير، تم اكتشاف مقبرة جماعية في إحدى المزارع في جغرة شمال شرق ليبيا، وبعد يوم واحد تم اكتشاف مقبرة جماعية أخرى في الكفرة جنوب شرق البلاد. وحتى اليوم، تم انتشال 93 جثة في منطقة جغرة والكفرة. إن إجراء تحقيق كامل ومستقل أمر بالغ الأهمية لتقديم الجناة إلى العدالة. وهذا تذكير آخر بالحاجة الملحة إلى حماية المهاجرين ومكافحة الاتجار بالبشر.
وفي ديسمبر، قامت بعثة مشتركة بين بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وفريق الأمم المتحدة القُطري في الكفرة بالتواصل مع السلطات المحلية والشركاء واللاجئين والمجتمعات المضيفة لتعزيز الاستجابات الإنسانية للاجئين السودانيين. إن الفصل الليبي من خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين السودانيين لعام 2025 يستهدف 446 ألف فرد ويتطلب 106 ملايين دولار – وهذا يمثل ضِعف الدعم المقدم في عام 2024 - حيث يواصل اللاجئون الوصول إلى ليبيا. وأناشد هنا المانحين مواصلة دعمهم لتلبية الاحتياجات المتزايدة للاجئين السودانيين في ليبيا وفي جميع أنحاء المنطقة.
السيد الرئيس، أعضاء المجلس،
إن الاستقرار الهش في ليبيا في خطر متزايد، فقادة البلاد والجهات الأمنية الفاعلة يخفقون في وضع المصلحة الوطنية فوق تنافسهم على المكاسب السياسية والشخصية. أحث أعضاء المجلس على تقديم دعمهم للممثلة الخاصة المعيّنة حديثاً، هانا تيتيه - التي ستتولى مهامها في طرابلس غداً - في عملها للمساعدة في كسر الجمود السياسي وحل الأزمة الليبية التي طال أمدها ودعم الشعب الليبي نحو توحيد مؤسسات ليبيا وإجراء انتخابات وطنية شاملة.
وأعرب عن تقديري لنائبة الممثل الخاص للأمين العام، السيدة ستيفاني خوري، التي أرست، في إطار عملها كقائمة بأعمال البعثة، أسساً هامة للعملية السياسية التي تيسرها الأمم المتحدة.
شكراً لكم.

