السيد الرئيس، أصحاب السعادة
أود أن أتقدم بالشكر لهذا المجلس على دعمه المتواصل لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وتنفيذ خارطة الطريق، وهو ما تم التأكيد عليه في البيان الصحفي الصادر في 3 آذار/مارس. كما أرحب بالسيد الطاهر السني، المندوب الدائم لليبيا لدى الأمم المتحدة. إننا لم نبلغ بعدُ التقدم المأمول في تنفيذ خارطة الطريق حيث ما تزال بعض الجهات الفاعلة الليبية تتجاهل تطلعات الشعب الليبي فيما يتعلق بمشاركته في العمليات السياسية، أو ممارسة قيادة سياسية قائمة على الشرعية الديمقراطية. وقد أُنشئت هياكل موازية خارج إطار الاتفاقيات القائمة، مما قد يحد من فعالية العملية التي تقودها البعثة والرامية إلى إعادة توحيد المؤسسات وإرساء الشرعية الديمقراطية للقيادة السياسية. إن مواصلة العمل كالمعتاد في ظل الظروف الراهنة يُضفي عن غير قصد شرعية على الوضع الراهن، بدلاً من التحفيز على الدخول في مفاوضات جادة والتشجيع على تقديم التنازلات اللازمة لإعادة توحيد البلاد. وهناك مخاطر وطنية وإقليمية على حد سواء في حال استمرار التقاعس والمماطلة في تنفيذ خارطة الطريق. ونعتقد أنه من المهم إدراك هذا الواقع الآن.
السيد الرئيس، أصحاب السعادة
اسمحوا لي أن أطلعكم على آخر مستجدات خارطة الطريق السياسية منذ إحاطتي الأخيرة قبل شهرين.
استمرت لقاءات الحوار المُهيكل عبر الإنترنت خلال شهر رمضان، وحضورياً هذا الشهر. وقد تمت مواصلة العمل في المسارات الأربعة - الأمن والحوكمة والاقتصاد والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان - لصياغة توصيات يمكنها أن تساعد في تهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات وطنية وتعزيز مؤسسات الدولة وتنفيذ إصلاحات هامة أخرى. ونحن في البعثة نقدر لأعضاء الحوار المُهيكل التزامهم ومشاركتهم الفعّالة وحرصهم على وضع رؤية لليبيا تركز على المحاور الأربعة للحوار. وفي نهاية هذا الشهر، ستُعقد جلسة عامة عبر الإنترنت لمشاركة توصياتهم الأولية، وبحلول أوائل شهر حزيران/ يونيو، سيكون الحوار المُهيكل قد اختتم عمله بتقرير نهائي سيتم عرضه على القادة السياسيين وعامة الشعب. ونتوخى أن تساعد هذه التوصيات في صياغة رؤية وطنية والوصول إلى إصلاحات سياسية جوهرية ضرورية لتعزيز المؤسسات الوطنية وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية سلمية.
وقد استمرت البعثة في التواصل مع الأطراف السياسية الفاعلة، بما في ذلك مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، لإحراز تقدم في خارطة الطريق. وقد بدأنا أيضاً بالتواصل مع مجموعة مصغرة من الفاعلين كما أوضحت في إحاطتي الأخيرة أمام هذا المجلس. ونحن نسلّم بأن هناك تحفظات بشأن المضيّ قدماً بهذا الشكل، وللتوضيح، فإنّ هذه المجموعة المصغرة تأتي في إطار مقاربة لتحديد سُبل الخروج من حالة الانسداد الحالية وتمهيد الطريق أمام المؤسسات الليبية لتنفيذ المرحلتين الأوليين من خارطة الطريق، استناداً إلى التوصيات الواردة في تقرير اللجنة الاستشارية. مع ذلك، إذا لم يُحرز تقدّم كافٍ، كما ذُكر سابقاً، فسأعود إلى هذا المجلس لتقديم اقتراحٍ من شانه الدفع قُدماً بالعملية استناداً إلى أحكام الاتفاقات السياسية القائمة. وأودّ التأكيد على أنّه في حين توجد مبادرات ثنائية أخرى تتضمن التواصل مع الفاعلين السياسيين الليبيين، فإنّ البعثة تُواصل تركيز جهودها على إحراز تقدم في خارطة الطريق بما يفضي إلى إجراء انتخابات وطنية، كما عُرض على هذا المجلس في آب/ أغسطس من العام الماضي.
السيد الرئيس، أصحاب السعادة
في إحاطتي الأخيرة، ذكرتُ أن الوضع الاقتصادي في ليبيا يتدهور بشدة، مع ضغوط على العملة وارتفاع الأسعار ونقص في الوقود وإنفاق حكومي مبهم وغير خاضع للرقابة واتساع رقعةالفقر. وتؤكد هذه المؤشرات أن النموذج الاقتصادي الحالي، والممارسات التي يقوم عليها، لم يعد قابلاً للاستمرار، إذ إن هذا التدهور يؤجج حالة الغضب لدى المواطنين ويزيد من خطر تفاقم حالة عدم الاستقرار.
إن نتائج فريق الخبراء، التي نُشرت قبل يومين، تساعد في تفسير تدهور قدرة الدولة على الحكم من خلال مؤسسات موحدة قائمة على الضوابط. إذ يجري استنزاف ثروة ليبيا الوطنية في اقتصاد سياسي مشوّه يُغذي الإنفاق غير الخاضع للمساءلة يعمل على استخدام عائدات النفط كسلاح. ويُسهم تحويل الموارد هذا، دون توافق في الآراء حول الأولويات الوطنية المتفق عليها، في إضعاف الانضباط المالي وتقويض قدرة الدولة على العمل كجهة راعية لثروات ليبيا، وتنفيذ المشاريع والبرامج والمبادرات التي تستجيب للأولويات العامة الحيوية والتزامات الإنفاق الاجتماعي. نتطلع إلى توصيات الحوار المُهيكل بشأن الأولويات الوطنية التي من شأنها دعم ليبيا مستقرة وآمنة ومزدهرة. إننا نحث ليبيا بشدة على تنفيذ توصيات فريق الخبراء، ولا سيما تلك المتعلقة بالرقابة وتدفقات الإيرادات في قطاع المحروقات، وأطلب من هذا المجلس دعم ليبيا في هذه الجهود.
في الوقت نفسه، فإن ليبيا لديها مكاسب كبيرة من عائدات النفط، وإن كان من المحتمل أن لا تدوم طويلاً. وهذا يخلق فرصة ضيقة لتعزيز استقرار الاقتصاد الكلي واستعادة نزاهة المالية العامة. وفي هذا السياق، ترحب البعثة بتوقيع ممثلي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة للملحق رقم (1) لبرنامج التنمية الموحد في 11 نيسان/ أبريل برعاية المصرف المركزي ودعم من الولايات المتحدة الأميركية، باعتباره خطوة هامة نحو مزيد من التماسك المالي. وهذا الملحق يتنبى إطاراً موحداً للإنفاق لعام 2026 ويغطي أبواب ميزانية الدولة وتخصيصات المؤسسة الوطنية للنفط. غير أن أثر هذا الاتفاق يتوقف على التزام القادة السياسيين بالتنفيذ الفعال والرقابة المستقلة على الإنفاق العام. فبدون متابعة واضحة لتدابير تعزيز الشفافية والتحكم في الإنفاق والإدارة الفعالة للإيرادات، سيتعزز الاعتقاد بأن الاتفاقات الرسمية لا تُترجم بالضرورة إلى تغيير.
هناك أيضاً حاجة إلى تحسينات ملموسة في إدارة قطاع المحروقات، بما في ذلك تعزيز الشفافية ومراقبة مخصصات المؤسسة الوطنية للنفط وربط أقوى بنظام الرواتب المركزي ليشمل جميع الأطراف المسلحة، واعتماد قانون محدث لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
بدون حزمة شاملة وقابلة للإنفاذ من تدابير التنفيذ، سيكون من الصعب تغيير الديناميكيات التي تؤدي إلى تحويل ثروات البلاد. ويتطلب عكس هذا المسار إرادة سياسية مستدامة من الأطراف الليبيية الفاعلة لاستعادة نزاهة المالية العامة، وتوحيد مؤسسات الحكم والرقابة الرئيسية، وتفكيك الأنظمة التي تُمكّن من تحويل الثروات والاستيلاء على الدولة. كما يتطلب أيضاً مسؤولية جماعية من الدول الأعضاء وشركاء ليبيا لضمان أن يُسهم الانخراط الدولي في تعزيز الشفافية والمساءلة والحوكمة الرشيدة.
السيد الرئيس، أصحاب السعادة
في 3 آذار/ مارس، شرع رئيس الوزراء، عبد الحميد الدبيبة، في تعيينات وزارية لنحو 21 وزيراً ووكيل وزارة على مدى أسبوعين، ليرتفع بذلك عدد الوزراء في الحكومة إلى 32 وزيراً. ونحن نرى ضرورة أن تحترم جميع التعيينات أحكام الاتفاقات السياسية السابقة في ليبيا، إذا ما أريد لها تحقيق غاية توحيد البلاد. وتأخذ البعثة علماً بالجهود التي تبذلها الدول الأعضاء والمبادرات الليبية لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية الفاعلة والاتفاق على توحيد مؤسسات الدولة. ونرى أن خارطة الطريق المقدمة إلى هذا المجلس تُتيح الفرصة لمعالجة هذه القضايا بشكل شامل، وهنا أحث الأطراف الليبية الفاعلة على العمل البنّاء على اتخاذ الخطوات التي تقدمنا بها لتوحيد جميع المؤسسات، وتنفيذ الإصلاحات التشريعية وإصلاحات السياسة العامة الواردة في توصيات اللجنة الاستشارية وتوصيات الحوار المُهيكل حال الانتهاء منها.
السيد الرئيس، أصحاب السعادة
رغم عدم تسجيل أية انتهاكات لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 2020، إلا أن الهشاشة ما تزال تعتري الوضع الأمني. وتؤكد الحوادث المتفرقة، لا سيما في المناطق الحدودية الجنوبية، ضرورة إحراز تقدم ملموس نحو توحيد المؤسسات الأمنية والسياسية في ليبيا.
في المنطقة الغربية، ما يزال الوضع على الخط الساحلي الشمالي الغربي مضطرباً بين التشكيلات المسلحة والشبكات الإجرامية المتنافسة على السيطرة على المنطقة، مما يخلق مجالاً للأنشطة غير المشروعة. وقد أفيد بوقوع اشتباكات الشهر الماضي في الزاوية وصرمان والخُمس وغريان.
ووسط تقارير عن استمرار تدفق الأسلحة إلى ليبيا في انتهاك لحظر التسليح، أفيد بتجدد التوترات بين الجهات الأمنية في ظل حالة من التعايش الهش. وتشير عودة هذه التوترات إلى قصور الترتيبات الأمنية الحالية واستمرار مخاطر نشوب نزاع في العاصمة ومناطق أخرى من البلاد.
وفي تطور إيجابي، شارك في 14 نيسان/ أبريل فاعلون عسكريون وأمنيون من شرق ليبيا وغربها في إطلاق تدريبات مشتركة في مدينة سرت. وترحب البعثة بهذه التدريبات وإنشاء غرف عمليات مشتركة باعتبارها لبنات أساسية تساعد في إحراز تقدم نحو توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية. كما أن الحوار العسكري الشامل بين الفاعلين العسكريين والأمنيين الرئيسيين في ليبيا ضروري لتعزيز بناء الثقة ومعالجة التحديات الأمنية، بما يخدم توحيد المؤسسات العسكرية.
السيد الرئيس، أصحاب السعادة
ما يزال القلق البالغ يساورني إزاء استمرار انقسام النظام القضائي في ليبيا. وهي نقطة أثرتها في إحاطتي الأخيرة. ومن تاريخه، لم يُحرز أي تقدم يُذكر من جانب الأطراف الليبية في حل هذه القضية. وفي 7 نيسان/ أبريل، دعت البعثة جميع المؤسسات المعنية إلى التعامل بشكل بنّاء ودون تأخير مع مقترحات لجنة الوساطة الليبية محذرةً من أنه في حال عدم التوصل إلى حل، ثمة احتمال حقيقي لحدوث عواقب وخيمة على وحدة البلاد وسلامة مؤسسات الدولة وفعالية آليات فض النزاعات في أي عمليات انتخابية قادمة. إن استمرار وجود هيئتين دستوريتين ومجلسين قضائيين أعلى متوازيين، يتخذان قرارات أحادية الجانب بما في ذلك تعيين ونقل كبار المسؤولين القضائيين ونقل هيئات قضائية رئيسية من غرب ليبيا إلى شرقها، قد أدى إلى ترسيخ التشظي المؤسسي والغموض القانوني. كما إن ما يُعيق إحراز التقدم في هذا الأمر هو التدخل السياسي، لذا يجب محاسبة من يعرقلون حل هذه القضية بالغة الأهمية.
السيد الرئيس، أصحاب السعادة
فيما يخص حقوق الإنسان، تتوالى التقارير عن الاعتقال التعسفي والترهيب والانتقام من قبل جهات أمنية ضد معارضين سياسيين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومسؤولين حكوميين ومحتجزين. كما استمرت الاعتداءات على أفراد من المجتمع الصوفي وأضرحتهم، مما يُبين بأن ثمة مخاطر تُهدد الحرية الدينية والتماسك الاجتماعي. وفي الوقت الذي تستمر فيه هذه الأنماط، أُرحب بالفعل بالخطوات الأخيرة التي اتُخذت في الغرب وفي الشرق، بما في ذلك السماح لدائرة حقوق الإنسان التابعة للبعثة بالوصول إلى سجن معيتيقة في طرابلس وذلك في 11 نيسان/ أبريل 2026، والزيارات التي أجرتها اللجنة الوطنية لمراقبة أوضاع السجناء والسجون، ومقرها بنغازي، إلى مراكز الاحتجاز في الشرق، والتي أسفرت عن إطلاق سراح عدد كبير من المحتجزين، كما أفيد. وهنا أدعو جميع السلطات الليبية إلى مواصلة هذه الجهود وإنهاء مثل هذه الانتهاكات والتحرك سريعاً لإطلاق سراح المعتقلين تعسفياً. وتظل البعثة على أهبة الاستعداد لتقديم المساعدة الفنية للسلطات الوطنية في هذا الشأن.
السيد الرئيس، أصحاب السعادة
يستمر النزاع الدائر في السودان في التسبب باحتياجات إنسانية واحتياجات كبيرة للحماية في ليبيا، مما يضع ضغطاً متزايداً على القدرات الوطنية. وتهدف خطة الاستجابة الإقليمية للسودان، والتي تشمل ليبيا، إلى دعم ما يقارب 597 ألف لاجئ سوداني والمجتمعات المضيفة في مجالات الصحة والحماية والأمن الغذائي، والتي تصل المتطلبات المالية التقديرية لها بنحو 115.5 مليون دولار أمريكي لعام 2026. وهنا أود أن أحث الدول الأعضاء على دعم هذا الجهد. وفي موازاة ذلك، تتواصل الجهود الرامية إلى تعزيز عودة أو إعادة إدماج النازحين داخليا، ولا سيما أولئك المرتبطين بالنزاع، في سياق أجندة الحلول المستدامة الأوسع نطاقاً.
أصحاب السعادة
لقد وصلت ليبيا إلى مفترق طرق سياسي واقتصادي وأمني هام، حيث ما تزال مؤسسات الدولة منقسمة، ولا يوجد تقدم كافٍ نحو إجراء انتخابات وطنية. وقد وُضعت خارطة الطريق التي تقدمت بها البعثة للمساعدة في تجاوز الانقسام القائم بحكم الأمر الواقع في البلاد من خلال ترتيب حوكمة يتم التفاوض عليه، يُفضي إلى إعادة توحيد المؤسسات وإضفاء الشرعية عليها عبر الانتخابات، والحفاظ على وحدة ليبيا. علاوة على ذلك، يوفر الحوار المهيكل، كجزء لا يتجزأ من خارطة الطريق، منصة شاملة لعموم الشعب الليبي للمشاركة في صياغة مستقبل بلادهم من خلال توصيات لإصلاحات دستورية وتشريعية وإصلاحات في السياسات العامة. إن إحراز مزيد من التقدم يستلزم من الأطراف الفاعلة السياسية والأمنية في ليبيا أن تعمل معاً من أجل بناء الدولة، وفقاً لهذه الرؤية الوطنية.
وبصفتكم أعضاء في هذا المجلس، لقد أعربتم مراراً وتكراراً عن دعمكم لعملية سياسية شاملة، تتماشى مع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة وتستند إلى الاتفاق السياسي الليبي وخارطة الطريق المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي. وسنواصل العمل على تحقيق الأهداف المحددة في خارطة الطريق. ومرة أخرى، فإن دعمكم لهذه الجهود ليس مجرد أمر مهم فحسب، بل أمر أساسي.
أدعو مجلس الأمن إلى تسخير نفوذه الجماعي لضمان وفاء القادة الليبيين بالتزاماتهم بتوحيد المؤسسات والعمل على إجراء انتخابات وطنية. إن السماح لأطراف الوضع الراهن بالتنصل من مسؤولياتها لن يؤدي إلا إلى تقويض الجهود المبذولة للحفاظ على وحدة ليبيا وثرواتها، وتأخير السير نحو تحقيق السلام والاستقرار والتنمية المستدامة.

