إحاطة السيدة هانا تيتيه،الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، المقدمة إلى مجلس الأمن حول الوضع في ليبيا

SRSG Hanna Tetteh briefing UNSC
UN Photo / Eskinder Debebe

سعادة الرئيسة (اليونان)،

أصحاب السعادة، أعضاء مجلس الأمن الموقرين،
السفير الطاهر السني، الممثل الدائم لليبيا،

منذ إحاطتي الأخيرة، شهدنا تقدماً مشجعاً في المسار السياسي الذي تيسّره بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. فبعد أربعة أشهر من المداولات، وقّعت الأطراف المشاركة في الاجتماع المصغر اتفاقاً في طرابلس بتاريخ 30 آب/ أغسطس، مما يمثل انفراجة في حالة الانسداد السياسي والمؤسسي التي طال أمدها.

وقد لقي اتفاق الاجتماع المصغر تأييداً واسعاً من الأطراف الفاعلة على المستويين الوطني والدولي. وأود أن أعرب عن شكري لهذا المجلس على دعمه المستمر لنهج بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ولتوقيع الاتفاق، وهو ما تم التأكيد عليه في بيانكم الصحافي الصادر في 8 أيلول/ سبتمبر. وحظي الاتفاق بترحيب من حكومة الوحدة الوطنية والجيش الوطني الليبي ومجلس النواب والنائب بالمجلس الرئاسي السيد موسى الكوني من بين أطراف أخرى. ويعكس هذا الدعم إدراكاً لدى العديد من الأطراف الليبية الفاعلة بضرورة معالجة حالة الجمود المؤسسي التي طال امدها، وذلك لضمان وجود مؤسسات موحدة قادرة على إدارة مسؤوليات الحكم بفعالية في جميع أنحاء الدولة الليبية، كما يؤكد على أهمية المضي قدماً نحو إجراء الانتخابات لتحقيق هذا الهدف وضمان وجود قيادة قادرة على الاستجابة للتحديات العديدة التي تواجهها ليبيا والتصدي لها.

ينص الاتفاق على إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وعلى تسوية مسائل خلافية قائمة منذ زمن طويل في الإطار الدستوري والقانوني قد تؤثر سلباً على الجهود الرامية إلى إجراء انتخابات سلمية وشاملة للجميع وذات مصداقية. ولكن من الأهمية بمكان التأكيد على أن هذا اتفاق سياسي. والأهم من ذلك، يرسم الاتفاق مساراً قابلاً للتنفيذ لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية تحت مظلة سلطة تنفيذية موحدة، وذلك في غضون 24 شهراً.

وفيما يتعلق بمجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، فقد استند اتفاق الاجتماع المصغر إلى قرارات سابقة لمجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة فيما يتعلق بأعضاء مجلس الإدارة، في حين راعت عملية اختيار رئيس المفوضية عوامل عدة، منها التوازن الجغرافي في تعيين رؤساء المؤسسات السيادية الرئيسية وبما يضمن تمثيلاً واسع النطاق. وإنني إذ أشيد بالروح البنّاءة التي يتحلى بها كل من مجلس المفوضين الحالي ومجلس المفوصين الجديد، فإنني على ثقة بأنه يمكن أن تُدار عملية الاستلام والتسليم بفعالية. وستكون البعثة على استعداد لتقديم الدعم لهذا التحول، كما سيواصل فريق خبراء الانتخابات في البعثة تقديم المشورة الفنية للمجلس الجديد.

وينص الاتفاق أيضاً على ضرورة المصادقة عليه من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في غضون شهر واحد من تاريخ توقيعه. وقد شجّعنا كلا المجلسين على المصادقة عليه مع إبداء أية تحفظات لديهم يمكن معالجتها لاحقاً خلال مرحلة الصياغة التشريعية.

وفي 14 أيلول/ سبتمبر، صادق مجلس النواب على الاتفاق وذلك استناداً إلى بيان تأييد سابق صدر عن 103 من أعضائه في 31 آب/ أغسطس. وفي 28 أيلول/ سبتمبر، أبلغ رئيس مجلس النواب البعثةَ باعتماد قوانين تتعلق باعتماد الاتفاق وتعديله، وكذلك بتشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. وإذ تحيط البعثة علماً بهذه القوانين والقرارات، فهي تُعيد التأكيد على موقف الأطراف المشاركة في الاجتماع المصغر بأن أية خطوات ذات طابع إجرائي وقانوني ينبغي أن تحترم روح التوافق.

من جانبه، رفض المجلس الأعلى للدولة الاتفاق في 5 تشرين الأول/ أكتوبر، إلى جانب القوانين والقرارات التي أحالها رئيس مجلس النواب، مستشهداً بتوجهات من شأنها تجاوز الأطر الدستورية والقانونية والتوافقية التي تحكم العملية السياسية، أو تقويض الصلاحيات الموكلة إلى المجلسين. ومما يبعث على الأسف أن رفضهم للاتفاق ما يزال يعكس محدودية استعدادبعض الأعضاء للانخراط البنّاء في هذه العملية، وهو ما اتسم به التعامل المستمر مع هذا المجلس. ومع ذلك، أبدى عدد من أعضاء المجلس الأعلى للدولة استعدادهم للانخراط في الاتفاق، وطلبوا مزيداً من الوقت للتشاور فيما بينهم بشأن المضي قدماً في العملية. تم ذلك عن طريق مكاتبة رسمية إلى البعثة. وفي هذا الصدد، أود أن أشدد مجدداً على أنه ليس بوسع ليبيا السماح للمعرقلين بتعطيل هذه العملية. وسوف أقدم مزيداً من التفاصيل حول نتائج هذا التواصل والخطوات التالية التي تقترحها البعثة في إحاطتي القادمة إلى المجلس. كما سأجري مزيداً من المشاورات مع أطراف "الاجتماع المصغر" خلال اجتماعنا المقرر عقده في وقت لاحق من هذا الشهر، بما في ذلك بحث خيار العمل على آلية وطنية ذات تمثيل واسع، وفقاً لما تنص عليه المادة (5) من الاتفاق وبالتشاور مع هذا المجلس.

السيدة الرئيسة، أصحاب السعادة وأعضاء المجلس الموقر،

لقد أرسى العمل الذي أُنجز من خلال "الاجتماع المصغر" أساساً مهماً ينبغي تعزيزه والبناء عليه. ومع ذلك، أود أن أضيف أن هذه ليست الآلية الوحيدة التي ستعتمدها البعثة لمواصلة الدفع قدماً بأهداف خارطة الطريق الخاصة بالبعثة؛ إذ لا يمكن للعملية الانتخابية أن تكون معزولة عن التحديات المؤسسية الواسعة والتي تؤثر على إجراء الانتخابات، بما في ذلك انقسام السلطة القضائية.

ولهذا السبب، أرحب بقرار الأطراف المشاركة في "الاجتماع المصغر" ببحث خطوات عملية - بالتعاون مع خبراء قانونيين وقضائيين ليبيين - لمعالجة انقسام السلطة القضائية وضمان استقلاليتها وتوفير ضمان قانوني متسق وحماية نزاهة الانتخابات الوطنية.

وفي المرحلة المقبلة، تعتزم البعثة العمل مع مختلف الأطراف الليبية المعنية بشأن قضايا أخرى ذات أولوية، وذلك لتهيئة الظروف اللازمة لإجراء الانتخابات وتوحيد المؤسسات، مستندةً في ذلك إلى توصيات اللجنة الاستشارية وتوصيات الحوار المهيكل، ومن خلال الاجتماعات والمشاورات المستمرة مع مجموعات متنوعة من الأطراف الليبية ذات الصلة.

ويبقى الدعم الدولي والإقليمي شرطاً أساسياً لتحقيق التقدم. وفي إطار تعزيز الدعم الدولي لخارطة الطريق السياسية، واصلتُ التفاعل مع الشركاء الإقليميين والدوليين الذين شددوا على أهمية الحفاظ على استقرار ليبيا وتعزيز مؤسساتها ودعم مسار موحد بقيادة ليبية نحو تسوية القضايا السياسية العالقة.

السيدة الرئيسة، أصحاب السعادة وأعضاء المجلس الموقر،

في تطورات مؤسسية أخرى، صوّت مجلس النواب في 5 تشرين الأول/ أكتوبر وبحضور 102 عضواً، على تغيير نظامه الداخلي بما في ذلك إقرار رئاسة دورية لمجلس النواب مدتها 12 شهراً . وفي 6 تشرين الأول/أكتوبر، وبحضور 111 عضواً، أجرى مجلس النواب انتخابات لرئاسة جديدة. وهنا أهنئ السيد الصالحين عبد النبي على انتخابه رئيساً للمجلس مع أعضاء هيئة الرئاسة الجدد. وتتطلع البعثة إلى العمل مع مجلس النواب لإحراز تقدم في الخطوات التالية لخارطة الطريق السياسية التي تيسرها البعثة واتفاق الاجتماع المصغر. كما أعرب عن تقديري لرئيس مجلس النواب المنتهية ولايته، السيد عقيلة صالح، لقيادته ومشاركته خلال فترة خدمته التي استمرت اثنتي عشرة سنة.

السيدة الرئيسة، أصحاب السعادة وأعضاء المجلس الموقر،

استمر الانقسام المؤسسي والسياسي في التأثير سلباً على الوضع الاقتصادي والأمني في البلاد. وفي الوقت الذي كان ينبغي فيه لأسعار النفط العالمية أن تحقق عائدات مالية مجزية للإيرادات العامة بما يعود بالنفع على الجميع، يشهد العديد من الليبيين بدلاً من ذلك تآكلاً في قدرتهم الشرائية بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وضعف قيمة الدينار، وتجاوز نسبة التضخم حالياً 14 في المئة، في حين تظل القدرة على الحصول على الخدمات العامة الأساسية غير مضمونة. وقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية وحدها بنسبة 3.8 في المئة أخرى خلال شهر أغسطس، مع اشتداد هذه الضغوط بشكل خاص في المنطقتين الغربية والجنوبية، حيث شهدت تكاليف المواد الغذائية ارتفاعاً حاداً خلال فصل الصيف.

ويُظهر نظام دعم الوقود في ليبيا كيف تتجلى الضغوط المالية على أرض الواقع؛ فمع الارتفاع الحاد في أسعار الوقود العالمية منذ منتصف عام 2026 - ولا سيما الديزل - تزايدت الحوافز لتحويل مسار الوقود المدعوم إلى الأسواق الخارجية عبر عمليات التهريب غير المشروعة. وفي الفترة الممتدة بين شهري كانون الأول/ يناير وأيلول/ سبتمبر من عام 2026، بلغ إجمالي واردات الوقود 8.15 مليون طن متري بتكلفة قدرها 8.9 مليار دولار أمريكي؛ وتُشير التقديرات إلى أن ما يتراوح بين 30 بالمائة و50 بالمائة من هذه الواردات قد فُقد بسبب التهريب، بقيمة تتراوح بين 2.4 و4.4 مليار دولار. إن الدولة تتحمل عبئاً مالياً متزايداً جراء دعم الوقود، في حين يتم تهريب كميات كبيرة منه - مما يدر أرباحاً طائلة للمشاركين في هذه الأنشطة غير القانونية - متسبباً في الوقت ذاته بخسائر مالية فادحة للدولة ونقص حاد في الوقود يعاني منه عامة الناس والمؤسسات الحيوية. ويؤدي هذا الوضع إلى مزيد من التقييد لقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه مواطنيها، بما في ذلك دفع رواتب العاملين في القطاع العام، والاستثمار في صيانة البنية التحتية الحيوية، وتوفير الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها الليبيون، وذلك في ظل استمرار معاناة الكثيرين - ولا سيما في الجنوب - من نقص الوقود والكهرباء.

إن الاضطرابات الأخيرة التي طالت البنية التحتية للنفط تُبين التكلفة الاقتصادية الأوسع نطاقاً للتشظي السياسي والأمني، وتأثير ذلك على الأصول الوطنية الاستراتيجية. فقد عمد أفراد من حرس المنشآت النفطية من الزنتان إلى إغلاق الأنبوب الذي يربط حقل حمادة بالزاوية لفترة امتدت من 15 إلى 20 أيلول/ سبتمبر، وتبع ذلك حادثة مماثلة طالت الأنبوب الذي يربط حقل شرارة بالزاوية في الفترة من 21 إلى 26 أيلول/ سبتمبر، وأفيد بأن ذلك يعود إلى خلافات حول تعيينات من تلك المنطقة. وتسببت هذه الاضطرابات في إهدار نحو مليون برميل من الإنتاج ما تصل قيمته إلى ما يقارب 100 مليون دولار أمريكي، الأمر الذي هدد بالتأثير على صرف المرتبات وتوليد الطاقة الكهربائية. وأود التذكير هنا بأن الاعتداءات على منشآت النفط والطاقة في ليبيا، أو الأفعال التي تضعفها، قد تشكل أساساً لفرض تدابير بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

إن ارتفاع تكاليف المعيشة والتباين المستمر في مرتبات القطاع العام تتسبب بشكل متزايد في تفاقم السخط الشعبي وتأجيج التوتر في أوساط المجتمع. وقد شهد شهر أيلول/ سبتمبر إضرابات ومظاهرات احتجاجية نظّمها أطباء وعاملون في قطاعات الصحة والتعليم في مدينة طرابلس ومناطق أخرى وذلك اعتراضاً على عدم صرف زيادات الرواتب، واحتجاجاً على ظروف العمل والعلاوت. علاوة على ذلك، بدأ المعلمون إضراباً على مستوى البلاد في 27 أيلول/ سبتمبر، مما أدى إلى تأخير بدء العام الدراسي لنحو 1.6 مليون طالب في المدارس الحكومية بجميع أنحاء ليبيا.

في ظل هذه المعطيات، بات التوجه إلى التنفيذ الكامل لـ "برنامج التنمية الموحد" لتعزيز التنسيق بشأن الإنفاق العام والاستثمارات التنموية في جميع أنحاء البلاد — ضرورة ملحّة بشكل متزايد.

كما يساورنا القلق أيضاً إزاء التقارير التي تفيد بإيقاف عدد من عمداء البلديات في الآونة الأخيرة من قبل وكيل وزارة الحكم المحلي في الحكومة المكلفة من مجلس النواب، عقب تواصل هؤلاء العمداء مع مسؤولين في طرابلس. نرحب بما أفيد عن إعادة البعض منهم إلى أعمالهم، ومن المتوقع إلغاء أمر الإيقاف بحق العدد المتبقي من العمداء، وندعو جميع الأطراف إلى ضمان تمكّن المسؤولين المنتخبين محلياً من أداء مهامهم وخدمة مجتمعاتهم دون تدخل.

السيدة الرئيسة، أصحاب المعالي وأعضاء المجلس الموقر،

ما يزال الوضع الأمني العام هشاً. وأرحب هنا بالخطوات الإيجابية المتخذة نحو النهوض بسبل التعاون العسكري بين المؤسسات العسكرية والأمنية في المنطقة الشرقية والغربية فيما تواصل البعثة الحث على اتخاذ التدابير الكفيلة ببناء الثقة على الصعيد الفني بين الجانبين.

وعقب اللقاء الذي جمع بين رئيسي الأركان العامة الفريق أول صلاح الدين النمروش والفريق أول ركن خالد حفتر، والذي تم بتسير من البعثة في مدينة سرت في 12 تموز/ يوليو، عقدت قيادات القوات البحرية والجوية وقوات الدفاع الجوي اجتماعاً لاحقاً للمتابعة في مدينة سرت في 9 أيلول/ سبتمبر وذلك للتباحث حول السبلالعملية للتعاون نحو إعادة توحيد هذه القطاعات. علاوة على ذلك، أصدرت رئاستا الأركان العامة قرارات ترمي إلى تفعيل المركزين المشتركين لتبادل المعلومات والتنسيق بشأن تأمين الحدود في مدينتي بنغازي وطرابلس. ,ويضم المراكزان طواقم مشتركة من أفراد الجيش الوطني الليبي وحكومة الوحدة الوطنية، تعمل على التواصل وتبادل المعلومات بين بنغازي وطرابلس بشأن المسائل المتعلقة بالحدود والأمن. كما نظمت دورة تدريبية أخرى للفريق الفني التنسيقي المشترك العامل في مجال تأمين الحدود وذلك بغية وضع اللمسات الأخيرة على الترتيبات الخاصة بتفعيل المركزين وأوصت هذه الدورة التدريبية بتنظيم زيارات أمنية ميدانية مشتركة لتأمين الحدود.

كما تشيد البعثة بعمل لجنة الترتيبات الأمنية للساحل الغربي في التهدئة من حدة التوترات والحد من الاشتباكات والحوادث الأمنية وتعزيزالتنسيق الأمني في مدينة الزاوية ومدن أخرى في المنطقة الغربية.

كما إن الوضع في جنوب ليبيا يستدعي اهتماماً مستمراً. إذ إن تعزيز حضور الدولة والنهوض بإدارة الحدود ومعالجة المظالم المحلية المتعلقة بالحصول على الخدمات كفيل بالإسهام على نحو إيجابي في استقرار هذه المناطق. ونشير إلى إن هناك تفاوت في تقديم الخدمات العامة بين شمال البلاد وجنوبها الأمر الذي فاقم من السخط الشعبي وغياب الاستقرار في المنطقة الجنوبية.

السيدة الرئيسة، أصحاب السعادة وأعضاء المجلس الموقر،

إبان الشهرين المنصرمين، أُعدِم في مدينة بنغازي 58 شخصاً أدينوا بتهم سابقة بالإرهاب بما في ذلك انتمائهم المزعوم لجماعات إرهابية محظورة و/أو ضلوعهم في مقتل أفراد عسكريين ومدنيين. أجدد التأكيد على النقاط الواردة في بياننا الصادر بتاريخ 16 أيلول/ سبتمبر، حيث ندعو إلى تعليق تنفيذ المزيد من أحكام الإعدام، ونحث السلطات على مراجعة الإجراءات وضمان الالتزام التام بمعايير المحاكمات العادلة والأصول القانونية المرعية. وانطلاقاً من مبدأ أن فرض العقوبات الجنائية يظل قراراً سيادياً للدولة شريطة امتثاله لالتزاماتها الدولية المتصلة بحقوق الإنسان، فقد أجرت البعثة مشاورات مكثفة مع السلطات المعنية بشأن هذه المسألة. وإنني أحيط علماً بقرار السلطات في شرق البلاد القاضي بتيسير وصول البعثة إلى ملفات قضايا عقوبة الإعدام ودعم زيارة مراكز الاحتجاز. ونحن نؤكد التزامنا بمواصلة العمل المشترك لدعم الامتثال الكامل لالتزامات ليبيا في مجال حقوق الإنسان وتعزيز منظومة العدالة وحماية الحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة.

السيدة الرئيسة، أصحاب المعالي أعضاء المجلس الكرام،

ولا يسعني أن أختتم دون الإشارة إلى موجة المعلومات المضللة والخاطئة وخطاب الكراهية والتحريض التي تستهدف اللاجئين والمهاجرين - بمن فيهم من هم في وضع غير نظامي – والعاملين في المجال الإنساني، وكذلك وكالات الأمم المتحدة وموظفيها في ليبيا، بمن فيهم زملاؤنا من الموظفين الليبيين. يجب معالجة ما يثير القلق المشروع لدى الشعب فيما يتعلق بالهجرة من خلال سياسات مسؤولة وحوار ومعلومات موثوقة، لا عبر خطاب الكراهية أو الترهيب أو العنف.

إن الأمم المتحدة تحترم سيادة ليبيا احتراماً كاملاً، ولا تعمل على تسهيل التوطين الدائم للمهاجرين أو اللاجئين فيها. ونحن نرحب بتجاوب السلطات الليبية عقب الحوادث الأمنية الأخيرة التي استهدفت مهاجرين ومرافق تابعة للأمم المتحدة، كما نحث على تكثيف الجهود للتصدي للمعلومات المضللة وخطاب التحريض ضد المهاجرين، وضمان سلامتهم وسلامة العاملين في المجال الإنساني وموظفي الأمم المتحدة ومقارهم، ومنع المزيد من أعمال الترهيب أو العنف.

إن كون ليبيا ليست طرفاً في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 لا ينتقص من التزاماتها تجاه اللاجئين؛ إذ تظل ليبيا ملزمة بالتزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، واتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية بشأن اللاجئين لعام 1969. ومع أن ليبيا تتمتع بسلطة سيادية في إدارة حدودها وملف الهجرة، إلا أنه يتعين عليها ممارسة ذلك بما يتماشى مع التزاماتها الدولية، بما في ذلك الحماية من الاحتجاز التعسفي والتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة والإعادة القسرية.

السيدة الرئيسة، أصحاب المعالي أعضاء المجلس الكرام،

ختاماً، يمثل "اتفاق الاجتماع المصغر" والتقدم السياسي المحرز في الأشهر الأخيرة محطات هامة؛ إذ يبرهن ذلك على أن الانخراط البنّاء يمكن أن يثمر نتائج ملموسة. ومع ذلك، وكما أوضحتُ اليوم، ما تزال هناك تحديات جسيمة قائمة. وتتفاقم هذه التحديات جراء استمرار رفض بعض الأطراف الانخراط بشكل بنّاء، واستخدام خطاب تحريضي ومعلومات مضللة؛ وهي ممارسات من شأنها أن تؤدي إلى تصلب المواقف السياسية، وتقويض الاستعداد لتقديم تنازلات والتوصل إلى حل وسط ومحاولة تبرير إجراءات أحادية الجانب من شأنها تقويض العملية السياسية أو، في أكثر السيناريوهات سوءًا، إشعال فتيل العنف.

هدفنا الآن هو معالجة الأولويات الأخرى ذات الأهمية القصوى واللازمة لتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية في بيئة تتسم بالهدوء النسبي، ولتوحيد المؤسسات من خلال عمل "الاجتماع المصغر" وتحقيق نطاق أكثر شمولاً في العمليات الأخرى بهدف العمل مع الأطراف الليبية المعنية. نحن ندرك ضرورة ضمان قدر أكبر من الشمول في المرحلة المقبلة، وسنحرص على أن ينعكس ذلك في أية عمليات أخرى تُستحدث من أجل إحراز تقدم في إيجاد الظروف السياسية اللازمة لتوحيد المؤسسات وتعزيزها، ودعم إجراء انتخابات وطنية سلمية وذات مصداقية. ويبقى دور مجلس الأمن والمجتمع الدولي بأسره بالغ الأهمية، ليس فقط لتشجيع استمرار التقدم، بل أيضاً لطمأنة الأطراف بأن جهودها ستحظى بالدعم من خلال حوافز وضمانات إيجابية فيما تتخذ هي خطوات حاسمة لتجاوز الانقسامات السياسية. وبذات القدر من الأهمية، نعتقد أن على المجلس محاسبة المعرقلين. وهنا أناشد هذا المجلس حث جميع الأطراف على التحرك بسرعة نظراً لهشاشة الوضع السياسي والاقتصادي والأمني في ليبيا وتأثير ذلك على الاستقرار العام في المنطقة

لا يزال الطريق نحو ليبيا مستقرة وموحدة ومزدهرة طويلاً، لكن هدفنا يبقى في المتناول. وإنني أحث جميع الأطراف المعنية على إبداء المرونة والإرادة السياسية اللازمتين للتوصل إلى أرضية مشتركة. كما أتطلع إلى استمرار دعم مجلس الأمن لخارطة الطريق السياسية التي تيسّرها البعثة، ولضمان إيفاء القادة الليبيين بالتزاماتهم على وجه السرعة تحقيقاً لتطلعات الشعب الليبي السامية نحو السلام والاستقرار والحكم الديمقراطي، وهي تطلعات يستحقونها بحق.

شكراً لكم