مساء الخير أصحاب السعادة السفراء والزملاء والشركاء والموجّهون وخريجات برنامج رائدات والأصدقاء وأفراد العائلات والأهم من ذلك خريجات الدفعة الثالثة من برنامج رائدات.
يسعدني أن أشارككم هذا المساء الاحتفال بتخرجكن والترحيب بكن في أسرة خريجات برنامج رائدات الآخذة في النمو.
يحظى هذا الحدث بأهمية خاصة لأن اليوم يوافق اليوم الشباب الدولي. ففي مختلف أنحاء العالم، يشكل هذا اليوم فرصة للاعتراف ليس فقط بالتحديات التي يواجهها الشباب، بل أيضاً بدورهم الأساسي في بناء مجتمعات أكثر سلاماً وشمولاً وازدهاراً. ويأتي موضوع هذا العام بعنوان "ظروف مختلفة وتطلعات مشتركة" ليذكرنا بأنه رغم اختلاف الظروف والواقع الذي يعيشه الشباب، فإنهم يتشاركون آمالاً متشابهة إلى حد كبير: الكرامة والفرص والمشاركة والمساواة وإمكانية المساهمة في رسم مستقبل أفضل لهم ولمجتمعاتهم.
ولا أستطيع أن أتخيل شعاراً أكثر ملاءمة لهذه الأمسية.
عندما أنظر إلى هذه القاعة، أرى شابات من مختلف أنحاء ليبيا. أنتن تنحدرن من مدن ومناطق ومجتمعات وخلفيات ثقافية متنوعة. وقد اختلفت الرحلات الشخصية التي خضتنها، وتباينت التحديات التي واجهتنها، كما اختلفت العقبات التي تمكنتن من تجاوزها.
ومع ذلك، فقد جمعكن خلال العام الماضي طموح مشترك يتمثل في الإسهام في خدمة مجتمعاتكن والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة وتحقيق النمو والتطور الشخصي والمساعدة في بناء مستقبل يسوده الاستقرار والفرص والأمل.
وهذا بالتحديد هو السبب الذي وُجد من أجله برنامج رائدات.
قبل ثلاثة أعوام، أطلقت الأمم المتحدة في ليبيا برنامج رائدات بهدف بسيط لكنه طموح: دعم الشابات الليبيات ليصبحن قائدات ومدافعات عن القضايا المجتمعية وبانيات للسلام وصانعات للتغيير الإيجابي. ومنذ ذلك الحين، أكملت ما يقارب مئة شابة البرنامج وانضممن إلى شبكة متنامية من الخريجات تمتد عبر مختلف أنحاء البلاد.
وما يجعل برنامج رائدات مميزاً ليس التدريب والدعم التوجيهي الذي يقدمه فحسب، بل أيضاً الثقة التي يساعد على بنائها بين النساء من مختلف المناطق والمجتمعات والخلفيات.
وقد وصفت العديد من الخريجات البرنامج بأنه غيّر حياتهن. وتحدثت أخريات عن اكتساب الثقة والصداقة والإحساس بالهدف. وما أسمعه مراراً من المشاركات هو الحديث عن قوة الشبكة التي استطعن بناءها.
وهذا أمر بالغ الأهمية في ليبيا اليوم.
ففي أنحاء البلاد، يعبر كثير من الشباب عن إحباطهم بسبب حالة عدم اليقين السياسي والتحديات الاقتصادية ومحدودية الفرص والشعور بأن القرارات المتعلقة بمستقبلهم تُتخذ غالباً من دون مشاركتهم الفعلية.
وهذه المخاوف مفهومة تماماً.
ومع ذلك، وخلال تواصلي مع الشباب الليبيين، رأيت أيضاً قدراً كبيراً من الصمود. رأيت شباباً يتطوعون في مجتمعاتهم ويشجعون الحوار ويدعمون المبادرات المحلية ويرفضون فكرة أن القيادة حكر على الآخرين. كما رأيت إصراراً حقيقياً على المساهمة في بناء مستقبل أفضل لليبيا.
وهذا الإصرار يمنحني الأمل.
إذ تقف ليبيا اليوم عند منعطف مهم.
فعلى مدى سنوات عديدة، عبّر الليبيون عن رغبتهم في تحقيق السلام وبناء مؤسسات تخضع للمساءلة والحصول على فرص اقتصادية وإنهاء الانقسام. ولا يزال المواطنون في جميع أنحاء البلاد يطالبون بحوكمة أقوى ومستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
وخلال الأشهر الأخيرة، سعت بعثة الأمم المتحدة إلى وضع أصوات الليبيين في صميم النقاشات المتعلقة بمستقبل البلاد من خلال الحوار المهيكل والمشاورات العامة الأوسع نطاقاً. وقد شارك آلاف الليبيين من مختلف المناطق والفئات العمرية والخلفيات في عرض وجهات نظرهم وأولوياتهم ومخاوفهم. وقد برزت رسالة واضحة مفادها أن الناس يريدون أن تُسمع أصواتهم ويريدون مؤسسات شاملة للجميع ويريدون دوراً حقيقياً في صياغة القرارات التي تؤثر في حياتهم.
وينطبق ذلك بشكل خاص على الشباب.
فخلال هذه المشاورات، لم يتحدث الشباب الليبيون عن التحديات التي يواجهونها فحسب، بل أيضاً عن الفرص التي يرونها لبلدهم. وقد أظهروا رغبة قوية في الإسهام في الحياة العامة وتقوية مجتمعاتهم ومساعدة ليبيا على تجاوز دوامات عدم اليقين والانقسام. وتعكس رسالتهم شعار يوم الشباب الدولي لهذا العام: فمهما اختلفت الظروف، تبقى التطلعات متشابهة بشكل ملحوظ. فالشباب يريدون المشاركة والكرامة والفرص والأمل في مستقبل أفضل.
ولهذا السبب، لا يمكن التعامل مع مشاركة الشباب الهادفة باعتبارها أمراً ثانوياً. فالمستقبل الذي تسعى ليبيا إلى بنائه سيكون ملكاً لجيل الشباب اليوم. ولذلك يجب أن تنعكس آراؤهم ومخاوفهم وطموحاتهم في الحوارات والقرارات التي ترسم مسار البلاد نحو المستقبل.
وفي إطار هذا الجهد الأوسع، تكتسب مشاركة المرأة أهمية خاصة.
لقد أثبتت التجارب حول العالم أن عمليات السلام وأنظمة الحوكمة تصبح أكثر قوة واستدامة وتمثيلاً عندما تشارك النساء فيها بصورة فاعلة. وينطبق الأمر نفسه على ليبيا، حيث لا تزال النساء يواجهن عوائق تحد من مشاركتهن. فالمجتمعات تصبح أقوى عندما يكون لكل فرد صوت، وعندما تتاح للجميع فرص الازدهار. وتمثل الشابات المتخرجات من برنامج رائدات اليوم نموذج القيادة التي تحتاج إليها ليبيا: قيادة قادرة على الإصغاء عبر الاختلافات وبناء التوافق وتعزيز المجتمعات والإسهام البناء في الحوار الوطني.
إن السلام المستدام يعتمد في نهاية المطاف على الناس. فهو يعتمد على المواطنين المستعدين للمشاركة والإسهام وتحمل المسؤولية تجاه مجتمعاتهم. كما يعتمد على مواطنين يمتلكون الإرادة والمعرفة الكافيتين لمساءلة قادتهم. ولهذا فإن برامج مثل رائدات مهمة للغاية. فهي تساعد على ضمان أن يكون الجيل القادم من القادة في ليبيا مستعداً ليس فقط لتصور مستقبل أفضل، بل للمساهمة في بنائه نيابة عن المواطنين الذين يمثلونهم.
ويأتي هذا العام أيضاً فيما تحتفل الأمم المتحدة بمرور أكثر من عقد على تنفيذ أجندة الشباب والسلام والأمن التي أُرست بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2250. وقد اعترف هذا القرار التاريخي بأن الشباب ليسوا مجرد مستفيدين من السلام، بل شركاء في بنائه، وأن آراءهم ومشاركتهم عنصران أساسيان لتحقيق حلول مستدامة.
وقد وجّه هذا المبدأ عمل البعثة في مختلف أنحاء البلاد.
وفي إطار دعمنا للجهود الليبية الرامية إلى دفع العملية السياسية قدماً، دافعنا باستمرار عن ضرورة المشاركة الهادفة، ليس فقط للنساء، بل للشباب أيضاً.
فمن خلال العمل مع الشباب، يمكننا الاستفادة من العائد الديموغرافي وتسريع التنمية المستدامة وتسخير طاقاتهم وخبراتهم للمساهمة في معالجة بعض أبرز الأزمات التي يواجهها عصرنا. كما يجب أن يُمنحوا دوراً أكبر في عمليات صنع القرار على المستويات المحلية والوطنية والدولية.
إن مشاركة الشباب ليست مجرد خطوة رمزية، بل ضرورة.
ومشاركة المرأة ليست خياراً، بل ركيزة أساسية.
ونحن نعلم أن كثيراً من النساء في ليبيا ما زلن يواجهن عوائق اجتماعية ومؤسسية واقتصادية كبيرة، بما في ذلك التمييز والترهيب والإقصاء.
وكثير منكن ممن يتخرجن الليلة يعرفن هذه الحقائق عن قرب.
وأتمنى لو كنت أستطيع أن أخبركن بأن هذه التحديات ستختفي بمجرد حصولكن على شهاداتكن.
لكنها لن تختفي. غير أنني أستطيع أن أخبركن بشيء آخر.
لقد أصبحتن الآن أكثر استعداداً لمواجهتها.
فخلال العام الماضي، اكتسبتن مهارات وخبرات وثقة بالنفس. وربما الأهم من ذلك كله أنكن اكتسبتن شبكة من النساء اللواتي يفهمن رحلتكن ويمكنهن دعمكن في المراحل المقبلة. وأنا على يقين أيضاً بأنكن اكتسبتن صداقات حقيقية.
وهذا مورد بالغ الأهمية. فعندما يتحدث صوت واحد بمفرده، قد يُتجاهل أحياناً.
أما عندما تتحدث أصوات كثيرة معاً، فيصبح من الصعب جداً تجاهلها.
وهذه هي القوة الحقيقية لمجتمع رائدات.
تأتي كلمة "رائدات" من الريادة. والرائدة هي من تساعد على خلق الفرص للآخرين وتفتح الأبواب التي كانت مغلقة سابقاً وترسم مساراً يستطيع الآخرون السير فيه. ولكل واحدة منكن الآن الفرصة، وكذلك المسؤولية، للقيام بهذا الدور.
وبصفتكن أعضاء في الدفعة الثالثة، فإنكن تنضممن إلى شبكة تُحدث بالفعل تغييراً إيجابياً في المجتمعات المحلية في مختلف أنحاء ليبيا من خلال العمل المدني والخدمة العامة والتعليم والإعلام وقطاع الأعمال والقيادة المجتمعية.
ويمتد أثر برنامج رائدات إلى ما هو أبعد من كل دفعة من المشاركات. فهو يتجسد في المجتمعات التي تؤثرن فيها والأشخاص الذين تدعمنهم والفرص التي تخلقنها لمن يأتون بعدكن.
كما أود أن أعرب عن تقديري للالتزام الاستثنائي الذي أبداه شركاؤنا وموجّهونا وداعمونا، وكذلك الشركاء الدوليون الذين تجعل مساهماتهم هذا البرنامج ممكناً. وأود بشكل خاص أن أتوجه بالشكر إلى الحكومات والمؤسسات التي تواصل الاستثمار في الشابات الليبيات من خلال برنامج رائدات، ولا سيما جمهورية فنلندا وجمهورية ألمانيا الاتحادية والجمهورية الإيطالية والمملكة المتحدة.
إن دعمكم يساعد في بناء جيل من القادة وبناة السلام وصناع التغيير في مختلف أنحاء ليبيا. ففي كل مرة تكتسب فيها شابة الثقة اللازمة للقيادة والمناصرة وحل المشكلات وجمع الناس حول أهداف مشتركة، تستفيد البلاد بأسرها.
أما إلى الخريجات، فإن هذه الليلة تمثل احتفالاً بما حققتنه، لكنها تمثل أيضاً بداية فصل جديد. ومع مغادرتكن البرنامج وانضمامكن إلى شبكة الخريجات، أشجعكن على البناء على ما تعلمنه ومواصلة خدمة مجتمعاتكن ودعم بعضكن البعض وتعزيز إرث رائدات.
وأياً كان المسار الذي ستسلكنَه مستقبلاً، أشجعكن على أن تبقين فضوليات ومشاركات ومترابطات مع بعضكن البعض.
واصلن التعلم. واصلن خدمة مجتمعاتكن. واصلن بناء الجسور وخلق الفرص للآخرين.
إن مستقبل ليبيا لن تصنعه مؤسسة واحدة أو عملية واحدة أو اتفاق واحد. بل سيشكله الليبيون أنفسهم؛ المواطنون والمجتمعات المحلية وقادة المجتمع المدني والشباب الذين يختارون المشاركة البناءة في مستقبل وطنهم.
ورغم اختلاف سياقاتنا، فإن طموحاتنا تظل متشابهة إلى حد بعيد: مستقبل يسوده السلام والازدهار والشمول والاستدامة للجميع.
إن ما يوحد شباب العالم أكبر بكثير مما يفرقهم. وتقف الأمم المتحدة إلى جانب الشباب في جميع أنحاء العالم في دعوتهم إلى الاستثمار في قدراتهم وإشراكهم. فلنعمل معاً من أجل بناء حاضر ومستقبل تزدهر فيه جميع الأجيال.
ألف مبروك على تخرجكن، ومبروك على كل ما حققتنه، وشكراً لكن على ما أظهرتنه من قيادة وشجاعة والتزام.
شكراً لكم.





