طرابلس- قدّم الحوار المهيكل توصياته النهائية في 7 يونيو، ويضمّ نحو 120 عضواً، غير أنّ آلاف الليبيين الآخرين ساهموا كذلك بأفكارهم في هذه العملية.
شارك نحو 6,000 شخص بآرائهم مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من خلال استبيان إلكتروني أُجري بين 17 فبراير و1 أبريل، تناول قضايا رئيسية عالجها الحوار المهيكل ، بما في ذلك الحوكمة، والأمن، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان. وقد جاءت هذه الحملة، الموسومة بـ«اعطي رأيك»، كاستبيان ثانٍ نفّذته البعثة خلال فترة استمرّت ستة أشهر. وكان الاستبيان الأول، الذي هدف إلى المساعدة في تحديد القضايا التي ينبغي مناقشتها من قبل أعضاء الحوار المهيكل، قد تلقّى 1,000 استجابة.
كما دعت البعثة الجمهور للمشاركة المباشرة مع الممثّل الخاص للأمين العام عبر منصة «زوم»، وأعدّت دليلاً للحوار تتضمّن معلومات أساسية وشرائح عرض لإدارةالنقاشات، لتمكين أفراد المجتمع في البلديات من تنظيم لقاءاتهم الخاصة بهدف جمع الأفكار حول القضايا التي تناولها الحوار المهيكل .
وقد عُرضت نتائج هذه الأنشطة مباشرة على أعضاء الحوار المهيكل لإرشاد عملهم في وضع توصيات عملية تهدف إلى تهيئة بيئة مواتية لإجراء الانتخابات، وتعزيز المؤسسات، ومعالجة مسببات النزاع على المديين القصير والطويل.
وقالت مبروكة علي ميلود، التي شاركت في اجتماع في طرابلس نُظم باستخدام دليل الحوار والأدوارت التي وفّرتها بعثة الأمم المتحدة: «يمكن للمواطنين العاديين التأثير في إحداث التغيير في البلاد، لأنهم هم من يعيشون الحياة اليومية وتحدياتها بشكل مباشر». وأضافت: «إن مشاركة الناشطين وفاعلي المجتمع المدني ذات أهمية بالغ».
من جانبه، أشار حميد البرعصي، الذي شارك أيضاً في أحد الاجتماعات، إلى أن المبادرة أوجدت «مساحات أكثر أماناً للنقاش تشجّع الناس على المشاركة بثقة أكبر». وأضاف: «ما يأمله كثيرون هو التنفيذ الفعلي، واتخاذ قرارات تعكس بشكل حقيقي احتياجات المجتمعات الليبية».
ومن أبرز الآراء التي وردت من خلال استبيان «اعطي رأيك» وجود مطالب عامة قويةلإجراء انتخابات وطنية؛ ومعالجة التحديات الاقتصادية، بما في ذلك تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لريادة الأعمال وإصلاح قطاع النفط؛ فضلاً عن تعزيز المساءلة. وفيما يلي خلاصات عن أبرز النتائج:
مطالبواسعةلإجراء انتخابات وطنية
أفاد 90% من المشاركين بأن إجراء الانتخابات الوطنية أمر ضروري، ما يؤكد وجود رغبة شعبية واضحة لإيجاد مسار ديمقراطي للخروج من الأزمة السياسية. ومع ذلك، عبّر كثيرون عن شكوكهم حيال إمكانية إجراء انتخابات وطنية في المدى القريب في ظل الأوضاع الحالية. وكان العائق الأكثر ذكراً - والذي حدده 79% من المشاركين - هو الاعتقاد بأن الأجسام الموجودة حالياً في السلطة في ليبيا غير راغبة في السماح بإجراء الانتخابات. كما برزت الانقسامات السياسية والهواجس الأمنية كعوائق رئيسية.
وشدد المشاركون على أهمية تحقيق توافق سياسي واسع لتحديد المسار إلى الأمام. وأعربت الأغلبية عن دعمها لاتفاق وطني يضم الفاعلين السياسيين والعسكريين والأمنيين، مشفوعاً بزيادة الضغط الدولي على الأطراف التي تعرقل العملية الانتخابية.
أولويات حكومة موحّدة
حدّد المشاركون أيضاً أولويات رئيسية لحكومة موحّدة مستقبلية، من أبرزها معالجة التحديات الاقتصادية، وتحسين الخدمات العامة الأساسية، وترسيخ الأمن والاستقرار. كما احتلّ كل من مكافحة الفساد وتوحيد مؤسسات الدولة مراتب متقدمة، ما يعكس قلقاً واسعاً بشأن الحوكمة والشفافية في المشهد السياسي الليبي الحالي.
الضغوط الاقتصادية وتأثيرها على الحياة اليومية
برز تأثير عدم الاستقرار الاقتصادي على الحياة اليومية للمواطنين الليبيين بشكل واضح في الاستبيان. فقد حُدّدت زيادة الأسعار، ومشاكل السيولة النقدية، وارتفاع تكاليف السلع الأساسية كأكثر القضايا إلحاحاً التي تؤثر على الأسر. وفي الوقت نفسه، لا تزال الثقة في إدارة عائدات النفط في ليبيا منخفضة للغاية، إذ أفاد 61% من المشاركين بانعدام ثقتهم بها تماماً.
ودعا المشاركون إلى مزيد من الشفافية في قطاع النفط، بما في ذلك نشر بيانات الإنتاج والإيرادات. كما أيد الكثيرون إعادة توزيع الموارد بشكل أكثر عدلاً، حيث فضّل نحو نصف المشاركين تخصيصها وفقاً لاحتياجات السكان.
وأفادت غالبية المشاركين بأنهم فكّروا في أن يصبحوا روّاد أعمال، إذ أشار 86% منهم إلى أنهم فكّروا في بدء مشروع خاص. غير أنهم أوضحوا وجود عوائق كبيرة، من بينها صعوبة الوصول إلى التمويل، وعدم استقرار السوق، وتعقيد الإجراءات الإدارية.
المساءلة وحقوق الإنسان
فيما يتعلق بالمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، شدّد المشاركون باستمرار على أن المساءلة تُعدّ عنصراً أساسياً لتعزيز حقوق الإنسان والعدالة في ليبيا. وأكدت أغلبية كبيرة ضرورة إبعاد المتهمين بانتهاكات حقوق الإنسان عن مواقع السلطة، ومحاسبة المسؤولين عنها، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لتحقيق المصالحة الوطنية.
كما برزت المخاوف بشأن الاحتجاز التعسفي وحالات الاختفاء القسري. وشدد المشاركون على ضرورة تعزيز الرقابة القضائية، ومساءلة الجناة، وإرساء أطر قانونية أقوى لحماية المحتجزين وأسرهم.
ولا تزال حرية التعبير مقيدة، حيث أشار 67% من المشاركين إلى أن الخوف من الاعتقال أو التعرض للانتقام هو السبب الرئيسي لعدم قدرة الناس على التعبير عن آرائهم السياسية عبر الإنترنت.
التحديات الأمنية
لا يزال الأمن يشكّل مصدر قلق رئيسياً للعديد من الليبيين. وأشار المشاركون إلى وجود التشكيلات المسلحة، والجريمة، والانقسام السياسي كأهم التهديدات للسلامة الشخصية.
ولتحقيق الاستقرار على المدى الطويل، شدد المشاركون على أهمية تعزيز مؤسسات الأمن التابعة للدولة، وإنفاذ المساءلة عن الانتهاكات، وإعادة إدماج عناصر التشكيلات المسلحة في أدوار مدنية. كما اعتبرت أغلبية المشاركين أن توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية - المقترن بعملية سياسية ذات مصداقية - أمر أساسي.
الدعوة إلى حلول شاملة
سلّط الاستبيان الضوء على الحاجة إلى نهج شامل لمعالجة الأزمة الراهنة. فقد دعا المشاركون إلى توسيع فرص التدريب المهني للنساء في مجال بناء السلام، وتحسين فرص حصول الشباب على العمل، وضمان إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة بشكل كامل في سوق العمل ومراكز صنع القرار.
كما تم الاعتراف بدور منظمات المجتمع المدني كجهات فاعلة مهمة، غير أن العديد من المشاركين دعوا إلى توفير حماية قانونية أقوى لها وتعزيز الشفافية لتمكينها من العمل بفعالية.





