كلمة الممثل الخاص للأمين العام طارق متري في مؤتمر "الحقيقة والمصالحة في ليبيا: الطريق إلى الأمام"

طرابلس 12 ديسمبر 2012

ايها الاصدقاء،

يلتئم عقدكم لتدارس مسائل بالغة الاهمية والحساسية، وهي تثير قضايا سياسية وقانونية واخلاقية وثقافية مترابطة على نحو وثيق، فلا تطغى واحدة على الاخرى ولا يقوم اي فصل مصطنع بينها.

ولعل ازدواج عنوان ندوتكم "الحقيقة والمصالحة" يشير الى هذا الترابط فرغم ان السعي وراء الحقيقة شأن معرفي واخلاقي في المقام الاول فانه يستدعي جهوداً قانونية لا تحتمل الانتظار والتزاماً سياسياً لا لبس فيه.

كما يوحي العنوان بالفكرة الناظمة لمناقشاتكم وهي ان المصالحة لا تعني تجاهل جرائم الامس او نسيانها، بل جلاء دوافعها ومحركاتها وآثارها المدمرة، ووضعها في نصابها من دون تهوين ولا تشويش او تعميم. ثم ان معرفة الحقيقة هي السبيل الاقصر الى المصالحة، وهي بالوقت نفسه شرط ديمومتها. وهي المدخل الى شفاء الذاكرة المجروحة والجريحة فالجراح لا تندمل بالنسيان. وفقدان الذاكرة او افقادها، ومعها اخفاء الحقائق وطمسها، قد يسهم في الظاهر، وخلال فترة محدودة، بطي صفحة الماضي والتحرر من ضغوطه الى غير رجعة. غير انه سرعان ما تلعب الذاكرة معنا لعبتها الخطيرة، تعود الينا في اوقات لا نتوقعها وتؤجج فينا مشاعر نظن انها هدأت. وهي غالباً ما تستعاد على نحو انتقائي، يشوبها النزوع الى المبالغات ويجري توسلها في السياسات الحاضرة، استثماراً او تبريراً او تذرعاً.


وليس ثنائي الحقيقة والمصالحة مكتملاً بذاته، بل يقتضي انسجامه وتفترض فاعليته احقاق العدالة. فلا يكون البحث عن الحقيقة تجاوباً مع الحاجة الى المعرفة والشفاء عن طريقها فحسب، ولا المصالحة عفواً عن كل الجرائم الماضية لا يميّز بين فعل وآخر ولا ينصف الضحايا.

ايها الاصدقاء،

لقد اتيح لي من خلال زياراتي الكثيرة ولقاءاتي ان الاحظ اهتماماً متزايداً لدى السلطات في ليبيا الجديدة الحرة والديمقراطية، بالمصالحة الوطنية بوصفها حاضناً لمصالحات كثيرة، بعضها جار وبعضها متعثر. ذلك ان المصالحة ضرورة لاستتباب الامن واطلاق التنمية البشرية بكل معانيها. وهي تتطلع الى المستقبل وتدرك اهمية الزمن الطويل، فلا تكون مجرد وساطة او معالجة ظرفية لظواهر النزاعات او تهدئة للخواطر او اطفاء لبعض الحرائق. كما تيسر لي ان اسمع من ممثلين للقوى الحيّة في المجتمع الليبي تأكيدهم الحاجة الى اطلاق هذه العملية من دون تأخير، ايماناً منهم بانها ترفع العوائق امام بناء الدولة الوطنية وامام استعادة السلام الاجتماعي ووحدة الليبيين القائمة على شراكة في القيم. وان هذه العملية، اذا أًحسنت ادارتها من دون تسرّع وبعيداً عن العصبيات وحساباتها الصغيرة احياناً كثيرة، ترسم الملامح الكبرى لعقد اجتماعي جديد هو المدماك الاول الذي يقوم عليه الدستور الجديد.

بطبيعة الحال، ليست الدعوة الى نشدان الحقيقة واحقاق العدالة والسير في طريق المصالحة دعوة الى العفو العام عن جرائم الماضي وهي لا تقول بالمساواة الاخلاقية بين المعتدي والضحية. لكنها دعوة الى محاربة النزعة الى الانتقام ومعه العقاب الجماعي الذي لا يحمّل الافراد مسؤولية افعالهم بقدر ما يلقي عليهم اوزار سواهم ممن يشاركونهم في الانتماء العائلي او القبلي او المحلي او الثقافي.

وهي اخيراً دعوة الى التبصر في مخاطر اختراع العداوات واحتسابها قديمة مما يدخل المجتمع كله في تنازع لا قرار له ويعيق المشاركة بمقتضى القواعد الديمقراطية. لذلك فان التذكير المستمر بأهمية المصالحة والمساهمة في تأمين الظروف الملائمة لها يقع في قلب واجباتنا كبعثة للأمم المتحدة مهمتها تقديم الدعم لليبيا في تحولها الى الديموقراطية فلا تحجبها الاولويات الكثيرة، التي تبدو اكثر الحاحاً وهي بالفعل ملحة ، مثل توفير الامن للمواطنين جميعهم وبناء اجهزة الدولة التي تسوس شؤونهم وتحفظ حقوقهم.


ويترتب علينا ايضاً ان نقدم ما نستطيعه لجهة الحث على الحوار وتوسيع مساحته فلا يقتصر على القوى السياسية بل يتعداها الى قوى المجتمع، منظمات وجمعيات وشخصيات ومثقفين واكاديميين واعلاميين. وعلينا اخيراً ان نساعد اصدقائنا الليبيين على التفاعل مع خبرات من بلدان اخرى مرت بظروف تاريخية مشابهة الاستفادة من الحلول التي انتهت اليها محاولات متعددة في مجالات البحث عن الحقيقة وتحقيق المصالحة وبناء العدالة الانتقالية. ان هذه الندوة التي تفتتح هذا الصباح، والتي ارجو ان لا تكون حدثاً عابراً بل لحظة فارقة في مسار غير منقطع، ستأتي علامة على اضطلاعنا معاً بمسؤولية كبيرة. واني واثق انها ستكون مناسبة للتعمق في جملة من الافكار المثارة في الفضاء الليبي العام، ومنها ما يتعلق بالقوانين التي ينبغي تعديلها او سنها والهيئات التي يجب انشاؤها. ويحدوني الامل ان تخرج مداولاتكم لا سيما في القضايا الشائكة والمؤلمة التي تشغل الكثيرين مثل قضية المفقودين، بتوصيات عملية تخاطب الحكومة والمؤتمر الوطني والمجتمع المدني والمنظمات الدولية بصراحة واصرار.

يبقى التمني ان يؤتى عملكم ثماراً مباركة.