السلام عليكم
أعضاء الحوار المُهيكل الكرام،
السفراء وممثلو لجنة المتابعة الدولية المعنية بليبيا،
يسعدني أن أرحب بكم مجدداً في هذه القاعة حيث بدأت رحلتنا قبل ستة أشهر تقريباً. ما بدأ كالتزام مشترك نما ليصبح عملية مفعمة بالنشاط وهادفة يغذيها تفانيكم وخبراتكم وإيمانكم بمستقبل البلد.
منذ كانون الأول/ ديسمبر 2025، اجتمعت المسارات الأربعة - الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان - بانتظام، حضورياً أو عبر الإنترنت، للمشاركة في مناقشات صريحة كانت صعبة أحياناً ولكن دائماً ما كانت مهمة، للمساهمة في صياغة رؤية وطنية لليبيا. لقد أخذتم زمام المبادرة في تحديد القضايا ذات الأولوية وتنظيم المناقشات حولها ووضع التوصيات - بروح ليبية خالصة وبقيادة وملكية ليبية. تهدف هذه التوصيات إلى المساعدة في تهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية وتوحيد المؤسسات وتعزيزها ومعالجة الأسباب الجذرية للنزاع. ونحن في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، كان لنا شرف مرافقتكم خلال هذه العملية من خلال توفير المنصة والدعم اللوجستي والموضوعي اللازم، وذلك بفضل المساهمات السخية من الجهات المانحة الاتحاد الأوروبي وألمانيا وإيطاليا وقطر وسويسرا، والمملكة المتحدة، التي جعلت هذه الاجتماعات ممكنة. كما أود أن أعرب عن تقدير البعثة لجميع الخبراء الخارجيين الذين تكرموا بمشاركة وقتهم ومعرفتهم وخبراتهم فيما يتعلق بالقضايا التي نوقشت في مختلف مسارات الحوار المهيكل.
يمثل اليوم علامة فارقة هامة: ألا وهو الاجتماع الختامي للحوار المهيكل. إن الهدف من الجلسة العامة اليوم هو أن تعرضوا نتائج الأشهر الستة الماضية وتحتفلوا بإنجازاتكم - وهو أمر لم يكن سهلاً - بينما تواصل البعثة عملها على تعزيز تنفيذ العناصر الأخرى لخارطة الطريق التي قدمتها إلى مجلس الأمن في آب/ أغسطس الماضي.
أعضاء الحوار المهيكل الموقرون،
هناك بعض الأشياء التي تجعل الحوار المهيكل متميزاً عن أية عمليات أخرى:
أولاً، شمولية وتنوع أعضائه. إذ شارك في الحوار حوالي 120 مشاركاً من مختلف أنحاء البلاد، بينهم 35 بالمائة من النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة وممثلي مختلف المكونات الثقافية واللغوية. ويعكس هذا التكوين ثراء التنوع في ليبيا ووجهات النظر المختلفة التي تكوّن هذا البلد الجميل. وكان ذلك هو الحوار الأول الذي يركز بشكل صرف على رؤية الشعب لمستقبل ليبيا، دون ضغوط ناتجة عن سياسية بعينها مثل تشكيل الحكومة.
ثانياً، عُقدت جميع اجتماعات الحوار المهيكل داخل ليبيا، وأغلبها في العاصمة طرابلس بل وأيضاً في بنغازي. وعلى الرغم من الجهود الصادقة التي بذلناها، لم يكن الاجتماع في سبها ممكناً بسبب صعوبات خارجة عن إرادتنا. ومع ذلك، فإن هذا لا يجعل هذه المنطقة أقل أهمية، إذ قدم أعضاء من الجنوب مساهمات فعالة ومهمة في المناقشات طوال الحوار. ونحن نتطلع إلى عقد اجتماعات متابعة ذات صلة في سبها ومدن أخرى في الجنوب. وثمة رمزية قوية في ذلك وهي أن مجموعة متنوعة من الليبيين يوحدهم حبهم والتزامهم بوطنهم، يجتمعون في بلدهم لتشكيل مستقبله.
ثالثاً، امتداد نطاق التواصل إلى ما هو أبعد من هذا الحوار. لم يقتصر الحوار المهيكل على الحاضرين في هذه القاعة اليوم. لقد صممنا العملية بحيث نتمكن من الاستماع إلى أكبر عدد ممكن من الليبيين والبناء على الجهود القائمة في جميع أنحاء البلاد. ولتحقيق هذه الغاية، نظمنا حوارات افتراضية واستطلاعات رأي عبر الإنترنت شارك فيها ما يصل إلى 10451 شخصاً. كما تواصلنا مع أكثر من 3000 من الشباب عبر منصات الشباب الرقمية، ومجموعة من الأشخاص ذوي الإعاقة من مختلف أنحاء البلاد، وأعددنا أدوات للمساعدة في تيسير المناقشات في المجتمعات المحلية. واستعنا أيضاً بالخبرات الليبية، ودعونا خبراء محليين لتدعيم عملنا بمعرفتهم وخبراتهم. كما شارك العديد منكم في جهود التواصل والمشاورات الخاصة بكم. جميع الأصوات التي استمعنا إليها كانت مهمة وانعكست في عملكم.
رابعاً، مع الحفاظ على الملكية الليبية الكاملة لهذا الحوار، حظي الحوار المهيكل بدعم ومرافقة المجتمع الدولي. سفراء لجنة المتابعة الدولية بشأن ليبيا حاضرون معنا اليوم، كما كانوا خلال حفل انطلاق الحوار في كانون الأول/ ديسمبر. كما وأتيحت للمسارات الأربعة فرصة التفاعل مع أعضاء مجموعات عمل عملية برلين خلال الأشهر الستة الماضية لتبادل التحديات والأولويات مباشرة من منظور ليبي.
أعضاء الحوار المهيكل الكرام،
عندما أطلقنا هذه العملية في كانون الأول/ديسمبر الماضي، انطلقنا من قناعة راسخة بأنه لا يمكن لأي عملية سياسية أن تنجح ما لم يصغها الليبيون أنفسهم، بتطلعاتكم وآرائكم. وجاءت كذلك استجابة لرغبة الشعب الليبي العارمة في رؤية عملية سياسية أكثر شمولاً، تُشرك جميع فئات الشعب وتُعلي أصواتهم وتجد من يصغي إليها. ومن خلال الحوار المهيكل، أردنا تهيئة مساحة مناسبة لهذا الحوار بطريقة بناءة وآمنة ومنفتحة.
سنستمع بعد قليل إلى أعضاء الحوار المهيكل، لنرى ما توصلت إليه مناقشاتهم الطويلة والشاقة، وما هي توصياتهم النهائية.
لكن قبل ذلك، اسمحوا لي أن أسلط الضوء على بعض النقاط الرئيسية من وجهة نظر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا:
أولاً، لمسنا رغبةً قويةً في التغيير، تغييرٌ يجد جذوره في العدالة والكرامة. كان هناك شعور عميقٌ بالإحباط من الوضع القائم وقلقٌ بالغٌ إزاء المسار الحالي للبلاد.
ثانيًا، سمعنا نداءً قوياً يدعو إلى الوحدة. فقد اعتُبر الانقسام المؤسسي والهياكل المتوازية المسبب الرئيسي للاختلال وعدم الاستقرار في ليبيا، مما يؤثر سلباً على الحياة اليومية لليبيين العاديين. وظهرت دعوات قوية من جميع المسارات لتوحيد مؤسسات الدولة، سواء كانت سياسية أو أمنية أو اقتصادية أو قضائية.
ثالثاً، كان هناك تبنّي مستمر لمبدأ الشمول والاعتراف بالتنوع، قولاً وفعلاً خلال الاجتماعات. وقد تم التركيز بقوة، على المستويين المعياري والعملي، على مشاركة النساء والأشخاص ذوي الإعاقة والشباب ومختلف المكونات الثقافية واللغوية، فضلًا عن التمثيل الجغرافي العادل والتوزيع المنصف للموارد والخدمات.
رابعًا، كانت هناك رغبة لا جدال فيها في حماية الملكية الليبية. وأود هنا أن أشير إلى الدور الذي اضطلعت به مكاتب التنسيق الليبية في كل مسار من المسارات، والتي كانت جهودها أساسية في دفع عملية يقودها الليبيون ويمسكون بزمامها.
خامساً، رأينا الكثيرين في تصارع بين الأهداف الطموحة التي نرغب بها والواقع العملي الذي يتعين علينا مواجهته، ويبحثون عن حل وسط عملي مع الاستمرار في دفع العملية قدماً. وقد أدى هذا غالباً إلى اتباع نُهج متسلسلة ومرحلية تهدف إلى تحقيق التقدم بطريقة واقعية.
سادساً، كان هناك اعتراف واضح بالأهمية المحورية للحوكمة الاقتصادية في ليبيا بالنسبة للصراع نفسه. وأكد المشاركون على الحاجة المُلحة لإجراء إصلاحات جوهرية لتعزيز المساءلة وتحسين الشفافية واستعادة ثقة العامة والحد من كل ما يحفز على أن تكون هناك هياكل موازية للسلطة، ووضع الحد الأدنى من الشروط اللازمة لعملية سياسية ذات مصداقية ومستدامة، تعود بالنفع على الشعب الليبي فعلياً.
سابعاً، على الرغم من اختلاف وجهات النظر والأولويات، أثبت الحوار المهيكل أن الحوار البنّاء عبر الانقسامات السياسية والجغرافية والجيلية والمؤسسية لا يزال ممكناً. إن استعداد المشاركين للانخراط باحترام، والسعي إلى إيجاد حلول وسط وتحديد أرضية مشتركة والاختلاف باحترام في بعض المجالات، يقدم درساً مهماً للعملية السياسية الأوسع في ليبيا.
لقد ذكّرتنا التطورات الأخيرة المتعلقة بالمعلومات المضللة التي تزعم أن الأمم المتحدة تعتزم توطين مهاجرين في ليبيا وما أثارته من عنف، بأهمية الاعتماد على الحقائق بدلاً من المعلومات المضللة، ورفض السرديات التي تسعى إلى تقسيم المجتمعات وتقويض الثقة أو إفساد العمليات السياسية الرامية إلى دعم ليبيا. إن التحديات التي تواجه ليبيا تستلزم نقاشاً مستنيراً وقيادة مسؤولة ومشاركة بنّاءة. وقد أثبت الحوار المهيكل أنه حتى القضايا الشائكة يمكن مناقشتها باحترام وواقعية عندما يجتمع الناس بحسن نية ويركزون على الحلول.
أعضاء الحوار المهيكل الموقرون،
السادة السفراء وممثلي لجنة المتابعة الدولية المعنية بليبيا،
يمثل اليوم نهاية فصلٍ هام، ولكنه ليس نهاية مسيرتنا.
وسوف تواصل المرحلة التالية من العملية السياسية في ليبيا الاعتماد على الجهود الليبية. وستُستخدم هذه المرحلة للدفع نحو توصيات وإصلاحات جوهرية، جرت صياغتها من خلال الحوار المهيكل، من قِبل الجهات الحاكمة الآن وبعد الانتخابات. وسنخصص جلسة ما بعد الظهر لمناقشة كيفية البناء على جهودكم، والدور الذي يمكنكم، بصفتكم أعضاء في الحوار المهيكل، القيام به في حشد الدعم لتحقيق النتائج المرجوة.
من جانبنا، سأُطلع مجلس الأمن خلال إحاطتي القادمة على نجاح اختتام هذه العملية، التي كان العديد من أعضاء المجلس يتطلعون إليها بشغف. وسنعكف في الأسابيع المقبلة على تدارس المخرجات بينما نعمل على تنظيم جهود التواصل لإطلاع المجتمع الليبي على مخرجات حواركم، بهدف استطلاع آرائهم وحشد الدعم، بما يُسهم في إثراء العملية السياسية، بما في ذلك تهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية وتعزيز المؤسسات والحكم الرشيد بما يعكس احتياجات الشعب.
أتقدم بالشكر لكم جميعاً مرة أخرى على الارتقاء لمستوى الحدث، وعلى مهنيتكم وخبرتكم وتفانيكم خلال الأشهر الستة الماضية.



